الصفحة 2 من 8

اللات خل العزى، قال: كانت صنمهم التي يعبدون ثم يضطجعون) [1] ، ونقل ياقوت الحموي رواية دون أن يذكر سندها، جاء فيها أَنَّ الرسول (ص) كان يتقرب للعزى ويهدي لها، وانه كان على دين قومه أي الشرك، (وقد بلغنا أًنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها يوما فقال: لقد اهتديت للعزى شاة عفراء وأنا على دين قومي) [2] .

قبل الخوض في مناقشة هذه الروايات من الضروري التعرف على شخصية زيد بن عمرو بن نفيل الذي أخذ هذا الحيز من الروايات التاريخية حتى قورن بالرسول الأعظم (ص) ، وجعلته بعض الروايات أحد الذين علموا الرسول (ص) ترك الأصنام.

هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي، وكان الخطاب بن نفيل والد عمر بن الخطاب عمه وأخاه لامه، وذلك لان عمرو بن نفيل كان قد خلف على امرأة أبيه بعد أبيه، وكان لها من نفيل أخوه الخطاب [3] ، وذكرت عدد من المصادر أًنَّ زيد بن عمرو بن نفيل وعثمان بن الحويرث [4] وورقة بن نوفل [5] وعبيد الله بن جحش [6] تركوا عبادة الأصنام وأخذوا يبحثون عن الدين، فاعتنق ثلاثة منهم النصرانية بينما لم يدخل زيد فيها [7] ، لذلك هاجر إلى بلاد الشام يبحث عن الدين، وهناك التقى بمجموعة من رجال الدين اليهود والنصارى، فنصحه هؤلاء حسب ما تذكر الروايات أن يتبع الحنيفية دين إبراهيم الخليل (ع) ، وإنه سيخرج نبي في مكة يدعو إليها، فرجع إلى مكة وأعلن انه على هذا الدين [8] ، فكان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: (يا معشر قريش ما منكم اليوم احد على دين إبراهيم غيري) [9] ، ويقول أيضا: (اللهم لو أني أعلم أحب الوجوه إليك عبدك به ولكني لا اعلمه ثم يسجد على راحته) [10] ، وكان يحيي الموؤدة، فيقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: (مهلا لا تقتلها أنا أكفيك مؤونتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وان شئت كفيتك مؤونتها) [11] ، واختلفت الروايات في المدة التي توفي فيها، فذكرت بعضها انه أدرك الرسول (ص) ، بينما ذكر بعضهم انه توفي قبل البعثة بخمس سنين [12] ، وهو على علم بموعد خروج النبي (ص) ، ويعرف اسمه وصفاته وكل شيء عن دعوته وهجرته، وهذا ما تبينه إحدى الروايات: (أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل ثم من بني عبد المطلب ولا أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك، قلت: هلم، قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بكثير الشعر ولا بقليله وليست تفارق عينيه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه احمد وهذا البلد مولده ومبعثه ) [13] .

وإذا عدنا إلى النصوص التي قدمناها في بداية البحث نجد أَنها نسبت للرسول (ص) اعتقاده بعقيدة الشرك، وهي بالتأكيد لا تحتاج إلى عناء كبير من اجل تفنيدها، لكن المؤسف في الأمر أنَّ بعض الباحثين تقبلوها كأنها حقائق ثابتة، وعلقوا عليها بوصفها تدل على التطور الفكري والعقائدي للرسول (ص) ، فذكر أحدهم معلقًا على رواية ابن إسحاق بقوله: (إن هذا النص ضروري حتى نفهم التطور العقائدي لرسول الله(ص ) ) ، ثم يستغرب من حذف ابن هشام هذه الرواية [14] ، وعَدّ احد المستشرقين ما جاء في هذه الرواية بأنه القصة الحقيقية الوحيدة في سيرة النبي (ص) [15] ، وأيد باحث آخر هذه الرأي وعَدّ تعبد الرسول (ص) في غار حراء نتيجة لاتصاله بزيد بن عمرو بن نفيل [16] .

وإذا ناقشنا هذه الروايات نجد أنَّ الرواية الأولى مفردة وغريبة لم ترد عند احد من الرواة سوى ابن إسحاق، ولا يعرف سند الرواية الذي أخذها منه، إذ لم يذكر من أين استقاها فهي رواية مقطوعة عنده وليس هناك رواية أخرى تشبهها أو تؤيدها.

ومتن الرواية متناقض لدرجة كبيرة بحيث يصعب قبوله لأسباب عدة، منها أنَّ المدة التي التقى فيها الرسول (ص) بزيد بن عمرو بن نفيل كانت بعد زواجه من السيدة خديجة (ع) ، وتحديدا في المدة القريبة من نزول الوحي عليه، ويؤكد هذا الرأي أنَّ زيد بن حارثة كان معه في هذا اللقاء، والمعروف أنَّ زيد التحق بالرسول (ص) بعد زواجه من السيدة خديجة، إذ تذكر الروايات انه رآه في احد الأسواق، فأخبر السيدة خديجة فطلبت منه أن يشتريه فاشتراه واعتقه وتبناه [17] ، وهذا يعني ان اللقاء الذي تذكره الرواية مع زيد بن عمرو بن نفيل كان بعد ان تجاوز الرسول (ص) الخامسة والعشرين من عمره، وهذا يعني ـ بحسب رواية ابن اسحاق ـ انه بقي يعتقد بعقيدة المشركين حتى بعد زواجه من السيدة خديجة، وهذا الأمر غير مقبول، لانَّ هذه المرحلة من حياة الرسول (ص) هي التي ابتدأ فيها خلواته الروحية في غار حراء، بعد أن ارتاح من اعباء العيش وهموم الحياة، فشعر بقربه من السماء واختيارها له، ويمكن أن نستدل على ذلك من الروايات التي تحدثت عن نزول الوحي على الرسول (ص) [18] .

إنَّ ما جاء في الرواية مرفوض عقلا لأنه ليس من المعقول أن تختار السماء شخصا ليهدم عقيدة الشرك الفاسدة، ويكون هذا المختار معتقدا بالأصنام والأوثان ويعبدها حتى المدة القريبة من نزول الوحي عليه، وحتى لو افترضنا جدلا أنَّ محمدًا (ص) كان مجرد مصلح كما يعتقد الكثير من المستشرقين، فان الرواية لا تستقيم ولا يمكن قبولها، لأنه ليس من

(1) ابن حنبل، مسند احمد، 4/ 222، الهيثمي، مجمع الزوائد، 8/ 225.

(2) معجم البلدان، 4/ 116.

(3) ابن كثير، السيرة النبوية، 1/ 153.

(4) عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي ذهب إلى الشام وتنصر هناك وأراد ان يتملك على مكة وطلب من الغساسنة إرسال جيش معه ليخضع قريش لكن الأمير الغساني رفض الأمر ودس له سمًا وقتله، ابن كثير، السيرة النبوية، 1/ 165.

(5) ورقة بن نوفل بن اسد بن عبد العزى بن قصي اعتزل عبادة الأوثان ودخل في النصرانية، توفي بعد أن أدرك البعثة النبوية لكنه لم يدخل الإسلام، الصفدي، الوافي بالوفيات، 27/ 257.

(6) عبيد الله بن جحش بن رئاب احد بني خزيمة حليف بني أمية بن عبد شمس وامه اميمة بنت عبد المطلب اعتنق النصرانية ولما بعث رسول الله اسلم وهاجر إلى الحبشة وهناك ارتد عن الإسلام وعاد إلى النصرانية ومات عليها، ينظر ابن هشام، السيرة النبوية، 1/ 146ـ 147.

(7) ابن هشام، السيرة النبوية، 1/ 146ـ 147، ابن حبيب، كتاب المنمق، ص152، ابن عساكر، تاريخ دمشق، 3/ 424 ـ 425، الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/ 127.

(8) ابن سعد، الطبقات الكبرى، 1/ 161، البخاري، صحيح البخاري، 4/ 233، الحاكم النيسابوري، المستدرك، 3/ 216، الاصبهاني، دلائل النبوة، 81.

(9) ابن سعد، الطبقات الكبرى، 3/ 381، الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/ 128.

(10) ابن هشام، السيرة النبوية، 1/ 148، ابن الأثير، أسد الغابة، 2/ 237، ابن كثير، السيرة النبوية، 1/ 154.

(11) ابن سعد، الطبقات الكبرى، 3/ 381، الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/ 127.

(12) ابن سعد، الطبقات الكبرى، 3/ 381، الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/ 127.

(13) ابن سعد، الطبقات الكبرى، 1/ 161 ـ 162، الطبري، تاريخ الطبري، 2/ 45.

(14) الملاح، الوسيط في السيرة النبوية، ص98.

(15) جيوم، الإسلام، ص27 ـ 28.

(16) عوض الله، مكة في عصر ما قبل الإسلام، ص104 ـ 105.

(17) البلاذري، انساب الأشراف، 1/ 476، الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/ 162.

(18) للتفصيل ينظر الشرهاني، حسين علي، حياة السيدة خديجة بنت خويلد (ع) من المهد الى اللحد، دار الهلال، بيروت 2005، ص 237 ـ 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت