يقول الحارث المحاسبي [1] في بيان هذين السببين:"وكذلك من تخلف عن الصف الأول في القتال فلم يمكنه طلب الحمد على الشجاعة، وأراد الانصراف لقلة رغبته في الأجر أو لجبن يمنعه من الانصراف أن يذم بالجبن ويسمى به، فصار حبسه نفسه في ذلك الموقف خوفًا أن يذم، ولولا ذلك لانصرف؛ لأنه إذا خاف الهزيمة، أو رأى كثرة القتل، أحبّ أن يتنحى عن الصف أو يفر من العسكر والسرية، فإذا خاف أن يقال جَبُن حَبَس نفسه على المقام، وكالرجل يكون مع القوم، فيتصدق كل واحد منهم بالدينار وبالدرهم أو الشيء الكثير، ولا تسخو نفسه أن يتصدّق بمثل ما تصدّقوا ويكره ألا يتصدّق بشيء فيبخل، فيتصدّق بالشيء اليسير لئلا يبخل، وقد ييأس أن يحمد، إذ فاته القوم بما أعطوا..." [2] .
ثالثًا: رغبة المرائي الحصول على ما عند الناس من مال وجاه وغير ذلك، فهو يريد أن يحصل بعمله على شيء من حُطام الدنيا، ولم يعمل للآخرة، ولم ينظر لها، ولذلك الله سبحانه وتعالى حَذّرنا في القرآن الكريم من إيثار الدنيا على الآخرة فقال عز وجلّ: { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } [3] ، ويقول تبارك وتعالى: { بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ } [4] .
يقول ابن كثير:"إنهم إنما همّهم إلى الدار الدنيا العاجلة، وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة" [5] .
(1) الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي، أبو عبد الله الزاهد، شيخ الصوفية في زمانه، له كتب في الزهد وغيره، يقول الذهبي:"المحاسبي كبير القدر، وقد دخل في شيء يسير من الكلام فنقم عليه، وورد أن الإمام أحمد أثنى على حال الحارث من وجه، وحذر منه". توفي سنة (243هـ) . انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (8/215) ، سير أعلام النبلاء (12/110) .
(2) الرعاية لحقوق الله ص (170) .
(3) سورة الأعلى، آية (16، 17) .
(4) سورة القيامة، آية (20، 21) .
(5) تفسير ابن كثير (4/406) .