... فدل هذا كله على أن القول بجواز الرمي قبل الزوال أيام التشريق ـ قياسا على هذه الأفعال الثلاثة ـ غير صحيح ؛ لاستناد جواز تأخير تلك الأعمال عن يوم النحر إلى النص والأثر في النحر أوالنص والإجماع في الطواف، وأما الحلق فتأخيره محل خلاف، ومن رخص في تأخيره فبقياس الأولى، وهذه المعاني ليس متحققة في هذا القياس المذكور.
... الثالث: أنه لوفرض صحة ما ذكروا من القياس لصح ـ أيضا ـ العكس، وذلك بأن يقال: إنه يجوز النحر والحلق وطواف الإفاضة قبل يوم النحر، ولاقائل به على جهة القياس، ومن رخص في طواف الإفاضة ليلة النحر فبالنص.
... وأماقولهم بأنه ليس للتحديد أصل لا من الكتاب ولا من السنة ولا القياس ولا الإجماع ، ومع عدمه فإنه لايجوز أن يسمى ما قبل الزوال وقت نهي... فجوابه من وجوه:
... أ حدها: أن الرمي بعد الزوال جاء بيانه في السنة بيانا ؛ اجتمع فيه فعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقوله: (( خذوا عني مناسككم ) )، والله تعالى يقول: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ } [سورة الحشر 59/7] ، فثبت بهذا اجتماع القرآن والسنة، وبطل قولهم بأنه ليس للتحديد أصل لا من الكتاب ولا من السنة.
... الثاني: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رمى بعد الزوال، وقال: (( خذوا عني مناسككم ) )، وهذا أمر بالشيء ، والأمر بالشيء نهي عن ضده، كما هو قول جماهير أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة. (1)
... الثالث: أن عدم النهي عن فعل العبادة المقيدة بوقتها المأمور بها فيه، ليس دليلا على جواز فعل تلك العبادة قبل وقتها، ودليل ذلك: حديث عائشة مرفوعا (( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) ) (2) .
(1) انظر: البحر المحيط ( 2/ 416) ، شرح الكوكب ( 3/ 52) والحديث سبق تخريجه .
(2) انظر فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ( 6 / 85) .