... يوضح هذا ما قاله الحافظ ابن حجر في بيان الحديث، إذ قال: (( وقوله: (( إذا رمى إمامك فارمه ) )ـ يعني الأمير الذي على الحج ـ وكأن ابن عمر خاف عليه أن يخالف الأمير فيحصل له منه ضرر، فلما أعاد عليه المسألة لم يسعه الكتمان فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد رواه ابن عيينة عن مسعر بهذا الإسناد، فقال فيه: (( فقلت له: أرأيت إن أخر إمامي ؟ ) )ـ أي الرمي ـ فذكر له الحديث، أخرجه ابن أبي عمر في مسنده عنه ومن طريقه الإسماعيلي )) (1)
... الرابع: أن رواية ابن أبي عمر العدني للحديث بينت أن السؤال عن تأخير الإمام للرمي عن وقته المسنون ، وهو الرمي عند الزوال ؛ ولهذا جاء جواب ابن عمر بيانا للوقت المسنون ، فظهر بهذه الرواية أن السؤال كان عن التأخر عن الوقت المسنون لا عن التقدم عليه ، فبطل الاستدلال به على جواز تقديم الرمي على الزوال .
... وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فالجواب من وجوه:
... أحدها: أنه ضعيف كما تقدم بيانه.
... الثاني: أنه على فرض صحته فهو إذن خاص للرعاة وليس إذنا عاما لجميع الحجاج.
... الثالث: أن عموم قوله: (( أي ساعة من النهار ) )مخصص بالسنن الأخرى، والمراد أي ساعة بعد الزوال.
... الرابع: أنه لما رخص للرعاة دل على أن غيرهم على العزيمة، وهي المبينة بفعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؛ فصار هذا الحديث حجة لأصحاب القول الأول، وحجة على أصحاب هذا القول.
... وأما استدلالهم بآية { وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ } [سورة البقرة 2/203] فالجواب عنه من وجوه:
... أحدها: أن الله أطلق الأيام ووقت الذكر ونوعه في الآية، فجاءت السنة مبينة أن الرمي ـ وهو نوع من أنواع الذكر ـ يكون في الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة بعد الزوال، فقيدت السنة ما أطلق القرآن.
(1) فتح الباري ( 3/ 678)