حالة من اليقين، فحساب الزمن عند الله ليس كحساب البشر، فما يكون في المستقبل فعند الله
وبقدرته وعلمه يكون أمرا متحققا، وذلك ليُشعِرَ المؤمنين يقينا بأنهم سينالون الجنة والفردوس.
وتتكرر عملية الاستبدال الداخلي في قوله تعالى:.َفَقاُلوا رَبََّنا آتَِنا مِن لَّدُنكَ رَحْمَ ً ة وَهَيِّئْ
َلَنا مِنْ أَمْ ِ رَنا رَشَدًا. [10] ، وفي قوله تعالى:.َفأْوُوا إَِلى الْ َ كهْفِ يَن ُ شرْ َل ُ كمْ رَبُّ ُ كم مِّن رَّحمته
ويُهَيِّئْ َل ُ كم مِّنْ أَمْ ِ ر ُ كم مِّرْفَقًا. [16] . لقد تمت عملية استبدال داخل النص بين الكلمتين،(رشدا،
ومرفقا)، إذ توافقت العبارتان، بين طلب من الفتية والاستجابة من الله لدعائهم، الفتية طلبوا من
الله الرحمة و الرشدا، الله ينشر لهم الرحمة ويهيئ لهم مرفقا. فدلالة (رشدا) : نقيض الغي،
وإصابة وجه الأمر" (1) وتوفيقا للرشاد، ودلالة (مرفقا) والرفق: اللطف وما استعين به وهو وما"
ارتفقت به" (2) . فكانت استجابة الله لهم بما يصلح أمرهم و يسهل عليهم أبواب الرزق."
وفي دلالة كلمة (عِوجا) في قوله تعالى:.وََلمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا. [1] ، مجال رحب للتأمل في
إمكانات اللغة والصوت والدلالة، فيظهر كل ذلك من خلال الإجراءات الأسلوبية المتنوعة التي
يمكن أن تطبق على هذه العبارة، بحيث تشمل صفات الحروف والتوزيع للحركات والتباين
الدلالي في عملية الاستبدال، فالمخارج المكونة لهذه الكلمة متباعدة، وتباعد المخارج في الأغلب
يضفي إلى الوحدة اللغوية وضوحًا وسهولة؛ إذ إن المخارج المتقاربة تجعل الأصوات في حالة
عدم استقرار"فأغلب الكلمات تنتمي إلى الصيغ التي تتوزع حروفها على مخارج ص وتية"
متباعدة مختلفة؛ لجنوحها إلى اليسر والسهولة" (3) . ومن شروط الفصاحة في الكلمة المفردة أن"
تتركب من حروف متباعدة المخارج" (4) . والدلالة اللغوية تختلف، فإن العَ وج غير العِ وج،"
فالعَوج يكون في الأعيان دون الجواهر، والِعوج يكون في الجواهر والأعيان (5) ؛ لذا فإنه نفي
للاعوجاج عن اللفظ والمعنى في القرآن الكريم.
1)ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، دار المعارف، مادة (رشد) .)
2)نفسه، مادة (رفق) .)
3)كشك، أحمد: من وظائف الصوت اللغوي، ص 12. وينظر رمضان، محي الدين، وجوه من الإعجاز في القرآن،)
.ص 38
.4) الخفاجي، ابن سنان: سر الفصاحة، ص 49)
.5) الزمخشري: الكشاف، ج 2، ص 471)
ودلالة (حِولا) قي قوله تعالى:.خالدين فيها لا يبغون عنها حِولا. [108] ، التحول من حال
إلى حال، هذا ديدن الإنسان فهو يمل البقاء على حال واحدة، ولكن الأمر يتغير عند أهل الجنة،
فلا يشعرون برغبة التحول لما وجدوا من نعيم مهما طال بهم المكث. وتقع كلمة حولا فاصلة في
الآية، فلو استبدلت بكلمة تحمل معناها مث ً لا (تغيرا أو انتقالا) ، لفقد التعبير أثر الإيقاع الموسيقي
والمقطعي، والتناسق المخرجي للحروف والحركات يظهر جمالية الكلمة، فتشكل الكلمات
(عِوجا، حِولا) ظاهرة صوتية أسلوبية من حيث المخارج المتباعدة والحركات المعبرة. وقد
لازم الكلمتين أسلوب النفي (ولم يجعل له عوجا) (لا يبغون عنها ح ولا) ، فتشابه التركيبان
صوتيًا وأسلوبيًا، وهذا التشابه أعطى أبعادًا وتجليات بنائية للنص من حيث الترابط الهيكلي في
البناء اللفظي؛ فالعبارة الأولى كانت في بداية السورة والعبارة الثانية المماثلة جاءت تقريبًا مع
النهاية مما يضفي على النص كام ً لا جوًا من الوحدة البنائية، كما هو الربط الزمني المتحقق من
خلال التركيبين فمع أن الفعلين المستعملين فعلان مضارعان إلا أن دلالة الأول على الماضي
باستعمال النفي بلم والثاني بلا ليدل على المستقبل، فالزمن بالنسبة لله واحد؛ ولذا كان الفعل في
المرتين واحد إلا أنه شمل الأزمنة كلها، وكان بذلك من أدوات الربط البنيوية في النص.
والدلالة الخاصة والقوية المنبعثة من (سرادقها) نجدها في قوله تعالى:.إنا أعتدنا
للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها. [29] ، فالسرادق السور الذي يحيط بجهنم فيُحصر من فيها،
فلو استبدل لفظ سرادق بلفظ سور لما أدت المعنى نفسه ولن تكون الدلالة ذاتها؛ فمن حيث الوقع
الصوتي فالسرادق تشكل حيزًا صوتيا أعظم من سور، والأصوات المكونة لسرادقها ف وج ود
الحرف المجهور (الدال) والقاف الذي يضفي ملمحا فيه ثقل، والسرادق لفظ قليل استعماله، وقلة
استعمال الكلمة قد يجعل منها عنصرا لغويا لافتا في كثير من الأحيان.
أما دلالة (زلقا) في قوله تعالى:.أو تصبح صعيدا زلقا. [40] ، فهي ذات دلالة تلمح في غير
جانب، كما ذكره الزمخشري فهو المكان ملسه حتى صار مزلقة، و أزلقت الرمك ة (الدابة)
أسقطت (1) ، وهي من الألفاظ التي يشترك بها الصوت في حركة مخرجها وقوة في لفظها في
أداء معناها.
كلمة (المهل) صورة موحية يلمس أثرها في قوله تعالى:.وُق ِ ل الْحَقُّ مِن رَّبِّ ُ كمْ َفمَن َ شاء
َفلْيُؤْمِن ومَن َ شاء َفلْيَكُْفرْ إِنَّا أَعَْتدَْنا لِلظَّالِمِينَ َنارًا أَحَا َ ط ِب ِ همْ سُرَادُِقهَا وإِن يَسَْتغِيُثوا يُ َ غاُثوا ِبمَاء
َ كالْمُهْ ِ ل يَشْوي الْوجُوهَ ِبئْسَ الشَّرَابُ وسَاءتْ مُرَْتفَقًا. [29] ، فتشكل بالإضافة إلى دلالتها
المعجمية عنصر مفاجأة ويترتب عليها مفاجأة أخرى الماء يشوي الوجوه بعد أن ظن وه غيثا.
فالمهل كما شرحه المفسرون هو دردري الزيت، المهل"ماء كالرصاص المذاب" (2) ، فالمهل
وصف غير متوقع للماء والنعت غير المتوقع يحقق مفاجأة فالنعت"إن لم يأت مفاجئً ا مجملا"
.(للمنعوت، مغايرا، جاء باهتا"(3"
الطباق:
يعد التضاد (الطباق) في اللغة نوعا من أنواع البديع، ومنه الطباق بن وعيه والمقابلة،"و"
حاصله أن الإتيان بالنقيضين والضدين"معا وعلى صعيد واحد، يجمع بينهما علاقة في المعنى"
وقد لا تكون من باب التكافؤ، كما ذكر العلوي في الطراز، و لا تنحصر قيمة الأضداد اللغوية
في جانب الدلالة المفردة في الكشف عن القدرة اللغوية، فإنها تتعدى إلى إظهار الأبعاد النفسية
المتوترة وتصويرها في أدق حالاتها؛ فالصورة المبنية على الحركة القائمة بين المتناقضات هي
ذات سعة سطحي وعمق داخلي، السعة بما تتيحه اللغة من مترادفات وتعاكس وتضاد كما في
قوله تعالى:.هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْ َ ق خَوْفًا وَ َ طمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثَِّقالَ. [الرعد، 12] ، ومن
دلالات التضاد في قوله تعالى:.َفأْوُوا إَِلى الْ َ كهْفِ يَن ُ شرْ َل ُ كمْ رَبُّ ُ كم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ َل ُ كم مِّنْ
أَمْ ِ ر ُ كم مِّرْفَقًا. [16] ، فالكهف له دلالة الضيق المكاني، ولكن في مقابل ذلك سعة في الرحمة التي
انتشرت على المكان.
1)الزمخشري، محمود جار الله: أساس البلاغة، تحقيق فريد نعيم وشوقي المعري، ط 1، بيروت: مكتبة لبنان، 1998)
.ص 345
.2) الزجاج، أبو إسحق إبراهيم بن سري: معاني القرآن وإعرابه، بيروت: عالم الكتب، ج 3، ص 282)
،1982 - 3) عساف، ساسين: الصورة الشعرية، ط 1، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1402)
.ص 31
والتضاد بين الهداية والضلال في قوله تعالى:.مَن يَهْدِ اللَّهُ َفهُوَ الْمُهَْتدِ وَمَن يُضْلِلْ َفَلن َتجِدَ
لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا. [17] ، البشر أمام آيات الله منهم المؤمن بها بفضل الله وآخر اتبع الضلال، ومن
التضاد كثير من الصور الفنية التي ستكون مدار الدراسة في الفصل الثالث
الفصل الثاني
الظواهر الأسلوبية
-1 التكرار.
-2 التقديم والتأخير.
-3 الحذف.
-4 الاستفهام.
5 -الإفراد والجمع.
-6 المفاجأة.
-7 الالتفات.
-8 التعريف والتنكير
-9 الحوار.
-10 أسلوب النفي.