الصفحة 30 من 61

خانة الجملة الفعلية فلا تعطي الدلالة نفسها. فالفعل دال على الحدوث والتغير، وأما الاسم يدل

على الثبات واللزوم، فالحمد والمدح دلالتهما في الخير والثناء على فاعله، ولكن المدح قد لا

يكون المادح صادقا، وهذا لا يكون مع الحمد، بل يزيد دلالة في كونه في الخير وغيره.

تكرر لفظ الصبر وما دل عليه من ألفاظ بشكل واسع، والصبر أنواع فمنه الصبر على

المحنة والابتلاء ومنه الصبر على النعمة ومنه الصبر في الدعوة وطلب العلم، فتكرار اللفظ

يوجه النص ويسوقه إلى مفاهيم وأهداف يبغي تحقيقها، ولو مع تنوع دلالات اللفظ وتغيرها،

ومن ذلك دلالة السياق في قوله تعالى:.واصِْبرْ َنفْسَكَ. [28] ، أي بمعنى احبس نفسك مع

المؤمنين، فبالإضافة إلى حقيقة الصبر على الدعوة وحبس النفس مع المؤمنين فيخصهم الرسول

باهتمامه. وتتوزع الجوانب الدلالية على الشكل التالي:

المشترك اللفظي:

يدخل في باب المشترك اللفظي اللفظ الواحد وله معان مختلفة"وقد حده أهل اللغة بأنه اللفظ"

الواحد الدال على أكثر من معنى" (1) . وذلك يعود إلى طبيعة اللغة المتطورة ودخول اللفظ في"

الاستعمال المجازي، ولذا فإن المعاني المتعددة للفظ الواحد يظل بينهما رابط ما يبقي علاقة بين

تلك المعاني. وسوف نلاحظ تلك العلاقة بين الألفاظ في سورة الكهف وأثرها على الناحية

البلاغية بما ينشأ عنها من علاقات تبادلية في بناء النص من خلال التكرار اللفظي، ومن هذه

المراكز الأسلوبية تتجلى معان منها:

-1 اتساع الرحمة وشمولها:

من المشترك اللفظي في السورة لفظ (الكتاب) ، فقد تكرر اللفظ في سورة الكهف عدة مرات

،[كما يظهر في قوله تعالى:.الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عََلى عَبْدِهِ الْكَِتابَ وَلمْ يَجْعَل لَّهُ عِوجَا. [1

(الكتاب) في الآية السابقة يدل على القرآن (الرسالة) المنزل على سيدنا محمد(صلى الله عليه

وسلم)معلوم الدلالة، وقد ارتبط ذكر القرآن بالرحمة فهو أعظم نعمة على الإنسان فكان الحمد

عليه مقدما. وكان الربط بداية بين الحمد وإنزال الكتاب له علاقة بأغلب ما جاء في السورة من

.1) السيوطي، جلال الدين: المزهر في علوم اللغة، ج 1، ص 369)

أحداث وقصص وغاية التعليم من أهم غايات السورة. فالكتاب له دلالة الجمع ولكن ضمن

نظام، ويلاحظ النظم والانتظام في السورة بنائها وأحداثها، وغايتها. وتكرر اللفظ في المدل ول

نفسه في قوله تعالى:.واتْلُ مَا أُوحِيَ إَِليْكَ مِن كِتَا ِ ب رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلن َتجِدَ مِن دُونِهِ

مُلْتَحَدًا. [27] . أما في قوله تعالى:.ووضِعَ الْكَِتابُ َفَترَى الْمُجْ ِ رمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ويَُقوُل ونَ

يَا ويَْلَتَنا مَا ِ ل هَ َ ذا الْكَِتا ِ ب لا يُ َ غادِرُ صَغِيرَ ً ة ولا كَبِيرَ ً ة إِلا أَحْصَاهَا ووجَدُوا مَا عَمُِلوا حَاضِرًا ولا

يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. [49] . الكتاب هو ما كتب فيه، والكتابة في الأصل عمل في المخيط، والكتابة

خطوطا وسطورا، أي بانتظام منتهج، ولكن قد يكون فيها اعوجاج. أما القران كتاب الله فقد نفى

عنه الله ذلك الاختلاف (ولم يجعل له عوجا) . ودلالة الكتاب تظهر وان تغيرت في ظاهر

الاستعمال مرة أخرى في قوله تعالى:.وَيَُقوُلونَ يَا وَيَْلَتَنا مَا ِ ل هَ َ ذا الْكَِتا ِ ب لا يُ َ غادِرُ صَغِيرَ ً ة وَلا

كَبِيرَ ً ة إِلا أَحْصَاهَا. [49] ، فالكتاب في هذه الآية يدل على السجل الذي تسجل به أعمال

البشر"فالكتاب ما أثبت على بني آدم من أعمالهم" (1) . ومع هذا الاختلاف يبقى في الكتاب صفة

الدقة، وحتى لا يتوهم أحد غير الحقيقة في الدقة فقد جاءت جميع الآيات التي ورد فيها الكتاب

في سياق النفي (ولم يجعل) ، (لا مبدل لكلماته، ولن تجد من دونه ملتحدا) ،(لا يغادر صغيرة

ولا كبيرة إلا أحصاها)، فالنفي في جميع الحالات لإزالة التوهم. وأتبع بعد النفي الإثبات وه و

أسلوب من أجمل أساليب التعبير في مثل هذا المقام. فالمتلقي في بيئة كان يسودها الكفر فلا

يمكن أن تبنى العقيدة الجديدة المعتمدة على الكتاب السماوي إلا بإزالة غير الصالح من العبادات

السابقة، ومن ثم البناء في الدين الجديد على أساس قوي متين.

-2 الربط بين التفكير والسلوك:

تكشف الآيات من خلال الربط بين الألفاظ عن حالة نفسية وسلوكية لدى بعض البشر الذين

لا يتخذون الحق نبراسا لهم، بل يأخذون بالظن، فشكلت كلمة (الرجم) في ق وله تعالى:

.سَيَُقوُلونَ َثلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَُقوُلونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا ِبالْ َ غيْ ِ ب. [22] ، قد تكرر

لفظ رجم في قوله تعالى:.إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عََليْ ُ كمْ يَرْجُمُو ُ كمْ. [20] ، (يرجموكم) "والرجم ه و"

1)ابن منظور: لسان العرب: مادة (كتب) .)

أخبث القتل بالحجارة، وكانت عقوبة مخالفة دين الناس" (1) ، ويأتي الرجم بمعنى الظن"أو وضع

الرجم موضع الظن" (2) . ففي كل سياق يأخذ اللفظ معنى مختلفا ولكن مع بقاء علاقة بين"

المعنيين، في بيان طبيعة التفكير والسلوك لدى الكافرين.

ومما تشابه في اللفظ واختلف في المعنى لفظ الظهور المتكرر في قوله تعالى:.إِنَّهُمْ إِن

يَظْهَرُوا عََليْ ُ كمْ. [20] ، وفي قوله تعالى:.َفمَا اسْ َ طاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ. [97] ، والظه ور تعني

، (الظفر بهم، وظهر عليه أي غلبه، أي إن غلبوكم وتمكنوا منكم، وظهر بمعنى ارتفع وعلا"(3"

ومنه أن يظهروا الردم، تشابه التركيبان لفظا واختلفا في المعنى.

ومما اتفق لفظه وتغير معناه السبب في قوله تعالى:.إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْ ِ ض وَآَتيَْناهُ مِن ُ كلِّ

َ شيْءٍ سَبَبًا. [84] ، فدلالة (سببا) في الآية"كل ما يوصل إلى ما أراده" (4) .ويشمل ذلك الأم ور

المادية والمعنوية كالقوة والعلم، وأما دلالة (سببا) في قوله تعالى:.فأَتْبَعَ سَبَبً ا. [85] ، فهي

الطريق التي توصله إلى اتجاه مقصود. .ُثمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ..

الترادف:

طال الجدل حوله الترادف في اللغة من حيث حقيقة وجوده ومسبباته في اللغة، وقد ي وهم

كثيرا ما يجري من عمليات استبدال داخلية بين المفردات في سياقات متشابهة أن الترادف حقيقة

واقعة، ولكن من خلال ما تمت دراسته من أمثلة في سورة الكهف تبين أن لكل مفردة في

السورة دلالتها السياقية الخاصة"من المفيد أن تكون هنالك طريقة لاختبار الترادف فقد يلجأ إلى"

الإبدال_ بإبدال كلمة بأخرى" (5) ، وقد يعود ذلك إلى خصوصية السياق وترابط الدلالات داخله."

ومن الأمثلة على ذلك:

1)القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن، القاهرة: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، 1387 ه-)

.1967، ج 10، ص 375

.2) الزمخشري، محمود جار الله: الكشاف، ج 2، بيروت: دار الفكر للطباعة، ص 478)

3)ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، مصر: دار المعارف، مادة (ظهر) .)

.4) الزمخشري، محمود جار الله: الكشاف ج 2، ص 497)

.5) ف، بالمر: علم الدلالة، ص 106)

ففي لفظي (سدا، ردما) اختلاف دلالي كما يبدو في قوله تعالى:.َفهَلْ نَجْعَلُ َلكَ خَرْجًا عََلى

أَن َتجْعَلَ بَيَْنَنا وَبَيَْنهُمْ سَدًّا {94} َقالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ َفأَعِيُنونِي ِبُقوَّةٍ أَجْعَلْ بَيَْن ُ كمْ وَبَيَْنهُمْ

رَدْمًا. [95] ، ظهرت الكلمتان في نص حواري واحد بين ذي القرنين والقوم الذين طلب وا منه

المساعدة، فهم يطلبون السد ليفصل بينهم وبين المفسدين، إذ هم في حالة من الضعف يظهر ذلك

في طبيعة كلامهم ومطلبهم. فحرف السين حرف مهموس متبوع بالدال المشدد مما أعطاه نوعا

من القوة وهذا أمر بالنسبة لهم عظيم. أما كلمة (ردما) ، فجميع حروفها مجهورة قوية ويلحظ

فيها حرف الميم الذي يتسم بضم مخرجه وتجمعه ليدل على التجمع في الردم، والتجمع علامة

قوة فالردم لغة أقوى من السد وأكبر (1) . ويظهر من هذه الالتفاتة إلى الأسلوب القرآني حيث

التناسب في طبيعة اللغة مع حال المتكلم. فعملية الاستبدال التي تمت بين اللفظين هي ظاهرة

أسلوبية داخلية، يرشد النص القرآني القارئ إليها، كما هي حقيقة القرآن الكريم في الإرشاد إلى

كل خير وجمال.

ومما اختلف لفظه وتقاربت دلالته لفظا (القرية والمدينة) ، قال تعالى:.وَتِلْكَ ا لُْقرَى

أَهَْلكَْناهُمْ َلمَّا َ ظَلمُوا وَجَعَلَْنا لِمَهْلِكِ ِ هم مَّوْعِدًا. [59] ،.َفان َ طَلَقا حَتَّى إِ َ ذا أََتيَا أَهْلَ َقرْيَةٍ اسَْتطْعَمَا

أَهَْلهَا َفأَبَوا أَن يُضَيُِّفوهُمَا َفوجَدَا فِيهَا ِ جدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ َقالَ َلو شِئْ َ ت َلاتَّ َ خذْ َ ت عَلَيْهِ

أَجْرًا. [77] ، وفي قوله تعالى:.وأَمَّا الْجِدَارُ َف َ كانَ لِ ُ غلَامَيْ ِ ن يَتِيمَيْ ِ ن فِي الْمَدِيَنةِ. [82] . اقترنت

دلالة القرية في القرآن الكريم في الأغلب بمواقف سلبية، وعلى العكس كانت دلالة المدينة، قال

تعالى:.وَاضْ ِ ربْ َلهُم مََّثلًا أَصْحَابَ الَْقرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَُلونَ. [يس، 13] ، وقوله تعالى:

.وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِيَنةِ رَجُلٌ يَسْعَى َقالَ يَا َقوْمِ اتَِّبعُوا الْمُرْسَلِينَ. [يس، 20] ، وفي انسجام تام

كان ورودها في الآيات السابقة مع ما ورد في القرآن الكريم بشكل عام. ففي الآية(وتلك القرى

أهلكناهم لما ظلموا)، ارتبطت مع الهلاك نتيجة للظلم، ومع أهل القرية الذين لم يكرموا الضيف

وهو أمر ترفضه العادة والعرف والدين، ولذا ارتبط الوصف مع لفظ القرية، وبالرغم من أن

الغلامين من أهل تلك القرية إلا أن وصفهم اقترن بالمدينة، بعد أن وصفوا بصلاح أبيهما(وكان

.1)ينظر الزمخشري: الكشاف، ج 2، ص 499)

أبوهما صالحا). فخصوصية اللفظ (في السورة) وعموم الدلالة (في القرآن) كان وراء هذا

التنوع الدلالي في الألفاظ.

من المشترك اللفظي:

ومثل ذلك في تغير دلالة اللفظ ما في قوله تعالى:.وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ َف َ ظنُّوا أَنَّهُم

مُّوَاقِعُوهَا وََلمْ يَ ِ جدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا. [53] ، ظن فعل يفيد الشك، ولكن لا يبقى شك عند الإنسان

بعد أن يرى الأمر معاينة؟. إنه أعمق تحليل لنفس الكافر، فهو في حالة من الشك المستمر اعتاد

عليها، حتى في هذا الموقف الرهيب الذي تصل إليهم حر النار وزفيرها ما يجعل اليقين يدخل

إلى القلب إلا مع الكافر المكابر.

لقد تحددت في اللغة دلالة الظروف زمانا كان أو مكانا، إلا أن السياق في قول ه تعالى:

.وَ َ كانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْ ُ خُذ ُ كلَّ سَفِيَنةٍ غَصْبًا. [79] ، قد اتخذ دلالة سياقية جديدة، فقد يسأل سائل

ما الحكمة من خرق السفينة إذا كان الملك الجبار المغتصب للسفن الصالحة وراءهم أي تعد وه

وابتعدوا عنه؟. ولكن كلمة (وراءهم) لا تعني فقط الظرف خلف كما يتوقع. فيمكن أنه لازال

يتبعهم وأمثالهم بجنده في كل مكان فقد ملك عليهم الأنحاء كلها، ومن التفاسير أن وراءهم تعني

أمامهم" (1) ، فمن كان وراءك قد يدعمك ويساندك وقد يؤذيك، وهذه دلالة انزياحية توجه إليها"

النص والسياق.

يأتي الفعل كان بدلالة متنوعة بين كونه فع ً لا تاما أو ناقصا، بين الزمن الماضي والحاضر،

ولقد كثر في القرآن الكريم استعمال الفعل (كان) في دلالات متعددة منها في قوله تعالى:.إِنَّ

الَّذِينَ آمَُنوا وَعَمُِلوا الصَّالِحَاتِ َ كاَنتْ َلهُمْ جَنَّا ُ ت الْفِرْدَوْ ِ س ُنزُ ً لا. [107] ، دلالة الفعل (كان)

للزمن الماضي سواء تامة أم ناقصة أم زائدة. والجنة ستكون للمؤمنين في المستقبل من الزمان،

فانتقلت دلالة الفعل إلى الزمن المستقبل في السياق، وهذه حالة انزياح مثيرة تدخل السامع في

1)ينظر الزمخشري: محمود جار الله: الكشاف ج 2، ص 495. والصابوني، محمد علي: صفوة التفاسير، ط 1، القاهرة:)

.1997، ص 184 - دار الصابوني، 1417

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت