أولا- مستوى التركيب والتضام النحوي المتشكل من تعدد الضمائر والتنوع في الأفعال؛
مما يدفع بالدارس إلى البحث في مستوى عميق داخل النص الأدبي.
ومن أمثلة ذلك في تعدد الضمائر ما نلاحظه في قوله تعالى:.و َ ك َ ذلِكَ أَعَْثرَْنا عََليْ ِ همْ لِيَعَْلمُوا
أَنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأَنَّ السَّاعَ َ ة لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيَْنهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَاُلوا ابُْنوا عََليْ ِ هم بُنْيَانًا
رَّبُّهُمْ أَعَْلمُ ِب ِ همْ َقالَ الَّذِينَ َ غَلبُوا عََلى أَمْرِهِمْ َلَنتَّخِ َ ذنَّ عََليْ ِ هم مَّسْجِدًا. [21] . ظاهرة الضمائر
المتكررة شكل من أشكال التماسك النحوي، الذي بدوره يمثل صورة من ص ور العمق في
التركيب، فاشتملت الآية على ثلاثة عشر ضميرا، وليتم فهمها لابد من أن تعاد الضمائر وبشكل
دقيق إلى أصحابها، فمن الضمائر عائدة على الفتية أصحاب الكهف، ومنها يعود على الق وم
الذين تم البعث في زمنهم. ويتواءم مع ظاهرة الانصباب في الضمائر فكرة مركزية أكدت
السورة عليها، وهي البعث والقيامة، مما يظهر توافق الظواهر اللغوية مع البعد العميق للنص
الأدبي، فالضميران في (عليهم وليعلموا) ، الدلالة محددة في عليهم أما في (ليعلم وا) فالدلالة
ممكنة لأكثر من اتجاه، فهي ممكنة لأهل المدينة وممكنة للفتية والأكثر من ذلك إلى كل من
وصله الخبر، ولا تعارض حاصل بين الدلالات، إذ إن الحكمة من الحدث بالغة للجميع وفي هذا
خصوصية اللفظ وعمومية الدلالة.
ومثل ذلك في تعدد الضمائر وعمومية الدلالة ما في قوله تعالى:.الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ
عََلى عَبْدِهِ الْكَِتابَ وََلمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا {1} قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا َ شدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَُلونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ َلهُمْ أَجْرًا حَسَنًا. [2] فالضمير في قوله تعالى (لينذر) ، يمكن أن
يعود على (الكتاب) ، ويمكن أن يعود على (عبده) ، وهذا الاتساع في التركيب نابع من ك ون
الرسالة التي يحملها الرسول واحدة، فهي التي تضمنها الكتاب، ولتوحد الهدف والرسالة
ووجوب الإيمان بهما فلا فرق على من يعود الضمير.
وكثرة الضمائر تحقق في النص التفاتة خطيرة، يمكن أن ترفع من مستواه الفني الأدبي كما
يمكن أن تحول دون فهمه، فيميل إلى التعقيد الذي معه تفشل الرسالة في الوصول والتوصيل،
والأمثلة على تعدد الضمائر واختلافها كثيرة في السورة مع المحافظة على النسق المعبر الذي
يدرك بالتأمل، والتأمل مطلب في النص الأدبي والبحث الأسلوبي؛ ففيه أبلغ التأ ثير عقلا
وعاطفة، ومثل هذا في قوله تعالى:.و َ ك َ ذلِكَ بَعَثَْناهُمْ لِيََتسَاءُلوا بَيَْنهُمْ َقالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ َ كمْ َلِبثُْتمْ
َقاُلوا َلِبثَْنا يَومًا أَو بَعْضَ يَو ٍ م َقاُلوا رَبُّ ُ كمْ أَعَْلمُ ِبمَا َلِبثُْتمْ فَابْعَُثوا أَحَدَ ُ كم ِبو ِ رقِ ُ كمْ هَذِهِ إَِلى الْمَدِيَنةِ
َفلْيَن ُ ظرْ أَيُّهَا أَزْ َ كى َ طعَامًا َفلْيَأْتِ ُ كم ِب ِ رزْقٍ مِّنْهُ ولْيََتَلطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ ِب ُ كمْ أَحَدًا. [19] ، حيث تكررت
الضمائر في الآية بشكل لافت، فضمير الجمع تكرر في الآية (15) مرة، ومع أن المشار إليه
مع جميع الضمائر واحد إلا أن اختلافها بين صيغتي الحضور والغياب، هو الذي ن وع في
الأسلوب وفي طبيعة الصورة المنقولة عن الحدث؛ فالضمائر شكلت عنصر التفات من الغياب
في (بعثناهم) ، إلى الحضور في كم (لبثتم) ، انتقال بين فاعلية خاصة من الله (بعثناهم) ، وفاعلية
بشرية بين الثبات والتحول. وتستمر الآيات التي تكمل بقية الحدث على نفس الوتيرة في التناوب
بين الحضور والغياب إلى قوله تعالى:.و َ ك َ ذلِكَ أَعَْثرَْنا عََليْ ِ همْ لِيَعَْلمُوا أَنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأَنَّ
السَّاعَ َ ة لا رَيْبَ فِيهَا. [21] . نلاحظ من خلال استعراض قصة أهل الكهف ظاهرة تعدد الضمائر
وتنوعها بين ضمائر الحضور والغياب، فيظهر بذلك من الأساليب كالالتفات بما يؤدي من
الترابط النصي الداخلي وإثارة المتلقي في البحث والمتابعة المتأملة الفاحصة لإدراك أسرار
النص والوصول إلى حكمته.
ثانيا- تتابعت الأفعال وتنوعت في قوله تعالى:.ويَومَ ُنسَيِّرُ الْ ِ جبَالَ وَترَى الأرْضَ بَا ِ رزَ ً ة
وحَ َ شرَْناهُمْ َفَلمْ ُن َ غادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا. [47] . تتابع الأفعال المصورة لمشهد يوم القيامة، تنوعت بين
المضارع والماضي ما يدفع إلى التركيز والتأمل، فهذه الالتفاتة اللطيفة من المضارع (الحاضر)
إلى الماضي أدخلت السامع في جو من الرهبة وشعور بأنه مُسي َ طرٌ عليه.
وتتكرر ظاهرة تتابع الأفعال في قوله تعالى:.ووضِعَ الْكِتَابُ َفَترَى الْمُجْ ِ رمِينَ مُشْفِقِينَ
مِمَّا فِيهِ ويَُقوُلونَ يَا ويَْلَتَنا مَا ِ ل هَ َ ذا الْكَِتا ِ ب لا يُ َ غادِرُ صَغِيرَ ً ة ولا كَبِيرَ ً ة إِلا أَحْصَاهَا ووجَدُوا مَا
عَمُِلوا حَاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. [49] . في نظام تبادلي من التتابع للأفعال الماضية
والمضارعة في مشهد الحساب، (وضع) ما ٍ ض، (فترى) حاضر (مشفقين) ثابت، (ويق ولن)
متغير، (لا يغادر) حاضر، (أحصاها) ما ٍ ض ثابت، (وجدوا، وعملوا) ما ٍ ض منقطع، (لا يظلم)
حاضر متصل، فتوزعت الأفعال بين دلالات الماضي واتصال مع الحاضر، في التفاتات ما بين
تأكيد الفعل وإشعار الإنسان بحقيقة ما سيكون يوم القيامة على وجه التأكيد.
ولمستوى التركيب في النظام النحوي أبعاده العميقة كما في قوله تعالى:.َقالَ آُتونِي أُفْ ِ رغْ
عََليْهِ قِطْرًا. [96] ، يتمثل في الآية الكريمة شكل من أشكال التركيب النحوي المتسم بالتداخل
الناتج عن شدة الترابط الجُمليّ، وقد استشهد بهذه الآية أغلب علماء النحو في باب التنازع،
وجماليات هذا الأسلوب في أكثر من جانب، منها الإيجاز والاقتصاد اللغوي فكان هذا التعبير
بدلا من تكرار لفظ (قطرا) (آتوني قطرا أًفرغ عليه قطرا) ، فمما لا شك فيه أن التعبير في الآية
أجمل وأقرب إلى النفس، ومن جانب آخر الدقة في التعبير عما يشعر به المتكلم من حاجة ماسة
إلى المفعول به والتلازم بين الفعلين ليتحقق عنصر القوة في بناء السد.
ثالثا- حالات العدول التي تجيزها قواعد النحو داخل النص، التي منها استبدال عامل لفظي
بآخر، والقطع عن الإعراب لغاية بلاغية يفيدها، كالتعظيم والترحم والمدح أ و الذم وغير
،[ذلك. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:. َ كبُرَتْ َ كلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِ ِ همْ إِن يَُقوُل ونَ إِلا َ كذِبًا. [5
فعدل عن الرفع إلى النصب ليثير الانتباه لمعرفة سر ذلك العدول اللغوي وأثره على المعنى.
فكان لكثير من علماء اللغة والبيان وقفات أمام هذه الآية للتأمل والكشف لأسرارها وجماليات
بنائها، ومكمن ذلك في الحركة الإعرابية غير المتوقعة وما تحدثه في النفس.
ومن العدول في أدوات النفي ما في قوله تعالى:.إِن يَُقوُلونَ إِلا كَذِبًا. [5] ، فقد عدل عن
استخدام حرف النفي ما الأكثر شيوعا في الاستخدام في مثل هذا النسق من التعبير، فاستخدم
(إن) لتفيد النفي من جانب و ليضفي ظلالا من التأكيد والحصر لبيان كذب المدعين على الله في
جانب آخر.
رابعا- الزيادة من القضايا الشائكة التي تناولها العلماء، بين قائل بها و منكر لها، وفي
إجراء أسلوبي على هذه الظاهرة في قوله تعالى:.أُوَلئِكَ َلهُمْ جَنَّا ُ ت عَدْ ٍ ن َتجْ ِ ري مِن تَحْتِ ِ همُ
الأنْهَارُ يُحَلَّونَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِن َ ذهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيَابًا ُ خضْرًا مِّن سُندُ ٍ س وإِسَْتبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ
فِيهَا عََلى الأرائك نِعْمَ الثَّوابُ وحَسَُنتْ مُرَْتَفقًا. [31] ، فالتعبير المستعمل في الآية يمكن أن يكون
بين اختيارين، التعبير المستعمل بوجود (من) المتكررة في الآية، أو على باب الإضافة(أساور
ذهب)، الذي يمثل مرحلة ثانية من مراحل تطور اللغة، فاختار النص استعمال اللغة على أصلها
الأولي كما وصف ببكارة اللغة، وبين أثر ذلك على جماليات التصوير الفني، وقد تم بحث
العبارة موسعا في فصل الصورة الفنية، حيث ظهر فيها أثر التركيب الفني.
ومن الآيات التي تلفت فيها الحركات إلى طبيعة المعنى، قوله تعالى:.ُقلْ إِنَّمَا أََنا بَشَرٌ
مِّثُْل ُ كمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إَِلهُ ُ كمْ إِلَهٌ واحِدٌ َفمَن كَانَ يَرْجُو لَِقاء رَبِّهِ َفلْيَعْمَلْ عَمَ ً لا صَالِحًا وَلا يُشْ ِ ركْ
بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا. [110] ، من المتفق عليه في الدراسات الأسلوبية أن اللغة تثير القارئ وتلفت
انتباهه للتعمق وفهم التأويل والتلذذ في الانتقال من الحضور إلى الغياب في النص، كل هذا
تثيره هذه الآية المحكمة. من الظواهر اللغوية اللافتة، (إِنما) و (أَنما) ، فكلتاهما من حيث العمل
تفيدان الحصر، أما من جانب المعنى فقد طلب الله عز وجل من الرسول (صلى الله عليه وسلم)
أن يوضح للناس مهمته الموكل إليه بداية، فانسجم المعنى وكسر همزة إنما مع بداية الكلام.
ومن الثابت وحدانية الله، وهذا ما أثبتته الآيات القرآنية والكونية حتى أصبح علما يقينا وبعد
العلم تفتح همزة أنما، والله تعالى أعلم.
رابعا- المستوى الدلالي:
البحث في الدلالة والمستوى الدلالي بكل أشكاله وتفرعاته الواسعة مطلب من مطالب
الدراسة الأدبية بشكل عام و الدراسة الأسلوبية، تلك المعتمدة على معطيات علم اللغة الحديث
بشكل خاص، وأسلوب التوزيع والاستبدال والاختيار للمفردات التي يتشكل منها التركيب
اللغوي، وما لذلك من أثر على التنوع الدلالي والكشف عن أبعاده في النص، وتبين أثر
الإجراءات الأسلوبية في ذلك، مع ما يرافقها من دراسة البنى العميقة وربطها بالبنى السطحية
المتشكلة من الأصوات والاشتقاقات الصرفية والعمليات النحوية، وما يترتب على ذلك من فهم
أعمق لدلالات ذلك التركيب،"فعملية الكلام لها جانبان: أحدهما مادي وهو الأصوات المنطوقة،"
والآخر عقلي (المعنى) وهو المقصود وعلى هذا يجب أن يسير التحليل اللغ وي في خطين
متوازيين" (1) . إذ إن لكل تركيب في التوظيف الأدبي معنى أعمق مما يتبادر إلى الذهن للوهلة"
الأولى أو بالنظرة السريعة، واللغة العربية"لغة القرآن الكريم"تمتاز بشمولية نظامها اللغ وي
واحتوائها الحركات بنوعيها القصيرة والطويلة بالإضافة إلى الص وامت؛ ولذا فإن الأطر
الصوتية المتنوعة تعطي ثراءً دلاليًا وتنوعا يخدم النص الأدبي بناءً وتحلي ً لا، ومنه تتجلى
الظواهر الأسلوبية على مستويات متعددة، وسوف يتم ترتيب المستويات الدلالية بالشكل التالي:
دلالة اللفظ المعجمي:
وهو ما يسمى علم الدلالة المفردي أو المعجمي، ولن نقف عند هذا الجانب إلا بالقدر الذي
يخدم جوانب خفية أحيانًا، فلقد اهتمت المعاجم بتقرير معاني الكلمات مفردة أ و من خلال
سياقاتها، ولكن يبقى السياق هو الفيصل في تحديد الدلالة والمعنى"ومثل هذا المعنى لا يمكن"
.(وصفه بمفرده بل ضمن علاقته بالكلمات الأخرى وأحيانا بكل الجملة"(2"
التعبير الأدبي أمام مجموعة متباينة من الاختيارات اللغوية، والميزة في الأديب تكمن في
حسن الاختيار للفظ بما يتناسب أكثر من غيره مع نسق السياقي"فمرد البلاغة الكلامية إلى الدقة"
في مطابقة اللفظ للمعنى، وإنما السبيل إلى ذلك أن يتسارع إلى الذهن جميع ألفاظ هذه اللغة وما
يسمى بمترادفاتها لينتقي منها ألصقها بالمعنى المراد والصورة المتخيلة" (3) ، وخير ما يتمثل"
حسن الاختيار في النص القرآني، فإن اللفظ يقع في مكانه المناسب، ويعبر عن المعنى والفكرة
بأجلى صورة وأحلى بيان، فإذا ما تم استبداله بأي لفظ مقارب فلن يعطي نفس الدلالة أو التأثير،
هذا بالإضافة إلى أن النص القرآني يبني علاقات متشابهة أو مترابطة بين سور القرآن الكريم.
فمن الألفاظ جاءت في سورة الكهف لفظ (الحمد) ، واستخدم استخداما مميزا في القرآن
الكريم، فقد جاء اسما دائما ولم يستخدم في سياق الفعل ك (استغفروا) مثلا، فدلالة الاسم في
اللغة على الثبات، فالحمد ثابت لله، إضافة إلى ذلك علامة الرفع الضمة فهي أكثر استقرارًا
وثباتا من الفتحة والكسرة وأكثر قوة. فاستبدال لفظ الحمد إلى حمدًا لله مثلا، يخرج اللفظ إلى
.1) أولمان، ستيفن: دور الكلمة في اللغة، ترجمة كمال بشر، ط 1، القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر، ص 37)
.2) ف، بالمر: علم الدلالة، العراق: جامعة المستنصرية، ص 40)
.3) البوطي، محمد سعيد رمضان: من روائع القرآن، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1996، ص 136)