التفضيل اسم اشتق من فعل أي لحدث لموصوف قام به الفاعل أو وقع عليه بزيادة على غيره
.(في أصل ذلك"(1"
كثر في سورة الكهف استخدام صيغة اسم التفضيل، ويعود ذلك لدواع متعددة نتبينها من
خلال الأمثلة التي وردت في السورة. سورة الكهف من السور المكية أي في مرحلة الدع وة
الأولى؛ لذا كان أسلوب القرآن الكريم في الإقناع والتأثير يستخدم من ضمن الأساليب (التفضيل)
وهو عقد مقارنة بين طرفين. يختار العقل السليم الخير والأفضل، ليعتاد البشر صحة الاختيار
بين ما كانوا عليه من عبادة للأوثان وما تدعوهم إليه العقيدة الجديدة، إذًا فالقرآن الكريم ين وع
في أساليب التعبير ليؤثر على العقل والعاطفة معا، وتتماثل بعض صيغ التفضيل وتتكرر لتشكل
ظاهرة أسلوبية تتفق شك ً لا ومضمونا. وجاء اسم التفضيل على حالات مختلفة:
-1 ما يكتفى منه بذكر المفضل دون المفضل عليه: قد لا يكون من الضرورة ذكر المفضل
عليه إذ لا وجه للمقارنة بين المفضل والمفضل عليه فيجتمعان على صعيد واحد، وفي تركيب
واحد.
فلا يليق الجمع بين المفضل والمفضل عليه كما في قوله تعالى:.َفَقاُلوا ابُْنوا عََليْ ِ هم بُنْيَانًا
رَّبُّهُمْ أَعَْلمُ ِب ِ همْ َقالَ الَّذِينَ َ غَلبُوا عََلى أَمْرِهِمْ َلَنتَّخِ َ ذنَّ عََليْ ِ هم مَّسْ ِ جدا. [21] ، فعلم الله لا يوازيه
علم ولا يقاربه، وليس من اللائق أن يذكر مع علم الله علم. ونرى تكرار الصيغة في م واقف
،[متعددة. ومثل ذلك التفضيل في قوله تعالى:.ُقل رَّبِّي أَعَْلمُ ِبعِدَّتِ ِ هم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيل. [22
، [وفي قوله تعالى:.ُق ِ ل اللَّهُ أَعَْلمُ ِبمَا َلِبُثوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْ ِ ض أَبْصِرْ ِبهِ وَأَسْمِعْ. [26
وهذا التكرار يرتبط ارتباطا عميقا ودالا على الفكرة الرئيسة في السورة المتمركزة حول العلم
والتعليم؛ إذ بدأت السورة بنعمة إنزال الكتاب على عبده تعليما له وتشريفا لمقامه أمام من
يدعون إلهًا مع الله وينسبون له ظلما الولد دون أدنى علم أو دليل.
، [ومما حذف منه الاسم المفضل عليه ما في قوله تعالى:.َقالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ. [95
فلم يذكر المفضل عليه، فما كان من الله لا يماثله شيء، فحذف المفضل عليه، بالإضافة إلى ما
.1) ابن كمال باشا، أحمد بن سليمان: أسرار النحو، تحقيق احمد حامد، عمان: منشورات دار الفكر، ص 227)
يعكس من نفسية ذي القرنين الذي اكتفى بما أعطاه الله من القوة والتمكين، فلم يقبل ما هو أدنى
منه من قوة البشر المحدودة.
-2 ما يذكر فيه المفضل والمفضل عليه:
أما ذكر المفضل عليه فلحكمة تراد، فبها تفصيل للمفضل عليه وتوضيحا له، إذ تم تحديد
المفضل عليه وبيان قلة أهميته بالنسبة للمفضل، ومن ذلك ما في قوله تعالى:.وَُقلْ عَسَى أَن
يَهْدِيَ ِ ن رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَ َ ذا رَشَدًا. [24] ، فالهداية والرشاد من الله، وهما خير للبشر مما
يعتمدون به على قدراتهم الذاتية.
لقد كشف اسم التفضيل جانبا من نفسية الرجل صاحب الجنتين في قوله تعالى:.وَ َ كانَ لَهُ
ثَمَرٌ َفَقالَ لِصَاحِِبهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أََنا أَكَْثرُ مِنكَ مَا ً لا وَأَعَزُّ نَفَرًا. [34] ، يلاحظ تكرار صيغة اسم
التفضيل أكثر وأعز مع تنوع في التمييز، مالا ونفرا، فهي من جانب نفس متعلقة بمتع الدنيا
ويريد أن يكثر من التمتع بها فأطال الكلام عنها. وعلى الجانب الآخر الرجل المؤمن في قوله
تعالى:.إِن ُترَ ِ ن أََنا أََقلَّ مِنكَ مَا ً لا وَوَلَدًا. [39] ، فقد جمع المؤمن المتع باسم تفضيل واحد ولم
يكرر، إذ هو لا يعد تلك المتع مجالا للمفاضلة بل ينفي أن تكون متعا حقيقية. واستبدل ذكر
الجنتين بلفظ (جنتك) ، فالمؤمن ينظر إلى الدنيا بمنظار الحقيقة، فالجنة في منظ ور صاحبها
عظيم (جنتين) ، أما في منظور المؤمن فهي جنة واحدة، وكذلك الأمر بالنسبة لاسم التفضيل.
ومن تكرار صيغة اسم التفضيل والتنوع فيها ما ورد في قوله تعالى:.َفأَرَدَْنا أَن يُبْدَِلهُمَا
رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَا ً ة وأَقْرَبَ رُحْمًا. [81] ، فحالة اسم التفضيل بين مفضل عليه وآخر تختلف،
بين ذكر المفضل عليه وحذفه، مع (خيرا) كان الحديث عن عملية استبدال بين طفل وآخر، أما
مع الرحمة فلا استبدال ولذا لم يذكر المفضل عليه، فحذف ولا يليق أن يذكر وهذا من باب
، (التأكيد لما قاله عبد القاهر الجرجاني بأن المحذوف لا يليق بأن يذكر حتى في النفس(1
فالمؤمن العبد الصالح المتعلق برحمة ربه يفصل في التفضيل لبيان النعم والرحمة من الله.
.1)الجرجاني، عبد القاهر: دلائل الإعجاز: ص 118)
-3 المفاضلة السلبية:
فمما كان التفضيل فيه من النقصان ما جاء في قوله تعالى:.َفمَنْ أَظَْلمُ مِمَّ ِ ن افَْترَى عََلى
اللَّهِ كَذِبًا. [15] ، فزيادة الظلم نقص في الأخلاق، فكان الكذب والافتراء على الله من أعظم
الظلم، والسياق من خلال الاستفهام يدل على المبالغة في هذا الظلم والافتراء، ومما يلفت النظر
في هذه الآية عملية الاستبدال الداخلي بين المفعول المطلق ونائبه، علما انه من الممكن أن يأتي
المفعول المطلق ذاته، وأكثر ما يُظهر جمال الانزياح هو العودة إلى اللغة المعيارية، فنبدأ في
الجانب الصوتي واختلاف النغمة الموسيقية في الفاصلة التي راعتها الآيات، والتن وع اللفظي
يثري النص ويشوق السامع في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى بعد عميق وهو تناسب اللفظ مع
حقيقة المعنى، فسمة التغير هي أساس عمل الظالمين، فيكون الكلام على وجه فينقلونه إلى وجه
آخر افتراءً وكذبا.
-4 التفضيل على التوهم:
الكافر، صاحب الجنتين، سيطرت عليه نفسية معاندة متكبرة، فظهرت أبعاد من تلك النفسية
في قوله تعالى:.وََلئِن رُّدِدتُّ إَِلى رَبِّي َلأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا. [36] ، فتوهم أن ما كان له في
الدنيا سيجد له في الآخرة ما هو أفض، فعميت نفسه عن الحقيقة إذ توهم فيما كان و حتى فيما
سيكون، بل وصل إلى الكفر بالله، فلم يربط ذلك بأمر الله، بل تحدث بأسلوب التأكيد (لأجدنّ) .
تمييز اسم التفضيل:
تكرر التميز في سورة الكهف بشكل ملحوظ ومع غير واحد من الأساليب، كالمدح أو الذم أو
مع اسم التفضيل، فبلغ عدد تكرار التمييز في السورة (عشرين) مرة، مختلفة ما بين أسل وب
معياري وأسلوب انزياحي، يحقق في الأغلب إما جانبا بلاغيّا جماليّا أو بعدًا معنويًا.
فالتمييز اسم يؤتى به لإزالة الإبهام عن لفظ أو معنى جملة"فهو نكرة يعين بعض محتملات"
نشأت وضعا عن ذات منكورة" (1) . وقد اقترن اسم التفضيل في الأغلب الأعم بالتمييز عاملا فيه"
.1) ابن كمال باشا: أسرار النحو، تحقيق، احمد حامد، عمان: منشورات دار الفكر، ص 141)
مما يجعل التعبير أكثر وضوحا وجلاء، ليتمكن المتلقي من القدرة على الحكم والاختيار.
ويلاحظ تكرار استخدام التمييز في أسلوب المدح والذم أيضا كما في قوله تعالى:.بِئْسَ
الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا. [29] ، وفي قوله تعالى:.ِبئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَ ً لا. [50] ، وفي قوله تعالى:
.نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسَُنتْ مُرْتَفَقًا. [31] . إن سورة الكهف من أهدافها التعليم وإزالة الإبهام، فقد كثر
في السورة التمييز مع أكثر من أسلوب كالمدح والذم ومع اسم التفضيل. وورد اسم التفضيل
على حالات منها:
-1 مفرد مجرد:
وقد جاء اسم التفضيل مفردا مجردا من التعريف في قوله تعالى:.لَِنبُْلوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ
عَمَ ً لا. [7] ، فالتمييز (عملا) ؛ ليبدأ الإنسان بالعمل حتى يصل إلى النتيجة المبتغاة في ق وله
تعالى:.هَُنالِكَ الْوَلايَ ُ ة لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ َثوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا. [44] ، فالعمل الحسن الذي أشارت
إليه الآية يوصل -بإذن الله- إلى ما عند الله من خير الثواب وحسن العاقبة، ويع ود اسم
التفضيل في قوله تعالى:.وَالْبَاقِيَا ُ ت الصَّالِحَا ُ ت خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ َثوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا. [46] ليؤكد على
الربط بين العمل الحسن الصالح وما عند الله من الأجر والثواب والعاقبة وحسن الأمل بالله
-مضاف إلى نكرة:
يأتي اسم التفضيل مضافا إما إلى معرفة أو إلى نكرة، ومن الإضافة إلى نكرة في ق وله
تعالى:.وَ َ كانَ الْإِنسَانُ أَكَْثرَ َ شيْءٍ جَدَ ً لا. [54] . الإضافة في الآية لم تفد التعريف بل أفادت
الاستغراق، فشملت كل المخلوقات، وتجاوزها الإنسان. علما أن السورة قدمت نماذج من
أسلوب الحوار لتمنع أسلوب الجدل الذي لا طائل منه.
المحلى بأل:
يفيد اسم التفضيل في العادة المفاضلة بين طرفين زيادة أو نقصانا، أما اسم ال تفضيل
المعرف بال التعريف كما في قوله تعالى:.ُقلْ هَلْ ُننَبِّئُ ُ كمْ ِبالْأَخْسَ ِ رينَ أَعْمَالا. [103] ، فإنه يفيد
المبالغة إلى الحد الذي لا يظهر فيه المفضل عليه. فأعظم خسارة أن ينقلب الإنسان من شيء
يتوقعه عظيم إلى نقيضه، فهم يحسبون الخير في عملهم، ولكنهم فقدوا أساس الخير ألا وه و
الإيمان بالله، فأدى إلى فقدانهم ثمرة أعمالهم، فكانوا لا يوازيهم أحد خسارة أبدا.
ثالثا- المستوى النحوي:
علاقة النحو باللغة والنص الأدبي مبكرة و أساسية تنشأ منذ اللحظة الأولى لتكونهما، فينظم
النحو اللغة ضمن معايير متفق عليها يتم من خلالها الفهم والإفهام،"فعلاقة اللغة بالنحو علاقة"
تنظيمية، فالنحو لا يقصد من اللغة حملها على دلالات فنية أو نفسية. واللغة لا تمنح النح و
شرعية معانيها النهائية" (1) . فالنحو المعياري بداية ولكن ليس النهاية؛ فاللغة الأدبية لها دلالتها"
الخاصة وتحتفظ بها. فلا تبقى العلاقة بين النحو واللغة في إطار شكلي وتنظيم خارجي مع
تحول اللغة إلى المستوى الأدبي ذي الطابع البلاغي، الذي لا تعود اللغة مجرد أداة توصيل
للمعنى بقدر ما تكون وسيلة تأثير وإثارة، فتتجاوز بذلك اللغة الأدبية القواعد النحوية"فقد تتخلف"
القاعدة النحوية المستقلة ولا تنهض بإعراب القرآن لأن بعض وجوه الإعراب الجائزة قد تؤدي
.(إلى إفساد النظم"(2"
يتضح الفرق بين علم النحو وعلم البيان فيما أشار إليه صاحب الطراز"فالنحوي ينظر في"
التركيب من أجل تحصيل الإعراب لتحصل كمال الفائدة وصاحب علم المعاني ينظر في دلالته
.(الخاصة، وهو ما يحصل عند التركيب من بلاغة المعاني وبلوغها في أقصى المراتب"(3"
-الأسلوبية النحوية:
تهتم الدراسة الأسلوبية بالجانب النحوي والتضام التركيبي بما يخدم دراسة النص، وتحليله
والوصول إلى ما فيه من لطائف بيانية. وتشمل الدراسة النحوية على:
.1) عبد الله، محمد صادق: جماليات اللغة وغنى دلالاتها، ط 1، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1993، ص 325)
.2) أبو موسى، محمد حسين: البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري. القاهرة: دار الفكر العربي، ص 205)
3)العلوي، الإمام يحيى بن حمزة بن علي: كتاب الطراز، تحقيق محمد عبد السلام شاهين، بيروت: دار الكتب العلمية،)
.ج 1، ص 17