الصفحة 27 من 61

نرى من خلال تكرار صيغة اسم الفاعل في النماذج التي تمت دراستها أنها تأتي على

حالتين، منونة وغير منونة، ووقعت في أغلبها حا ً لا أو في جمل حالية، وأسهمت في رسم

الصورة الفنية بأبعاد مختلفة سواء من حيث الحركة والثبات أو البعد النفسي.

ومن الصيغ المتقاربة مع اسم الفاعل الصفة المشبهة من الفعل اللازم مضموم العين في

قوله تعالى:.وكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا. [82] ، صورة من الثبات التي كان عليها آباء الغلامين من

الصلاح فأكرمهما الله وذريتهما من بعدهما، وتكررت نفس الصيغة الدالة على العمل الصالح

بالثبات في قوله تعلى:.وأما مَنْ آمنَ وعَمِلَ صالِحا َفَلهُ جَزَاء الحسنى. [88] ، وفي ق وله

تعالى:.ويُبَشرَ المؤمنين اّلذينَ يَعْمَُلونَ اّلصالِحاتِ. [2] ، فاقترنت الصيغة في كل مرة بالنتيجة

الحسنة.

ثانيا- الفعل المبني للمجهول:

باب أطلق عليه النحاة ما لم يسم فاعله، فيسد مسد الفاعل مفعوله أ و المصدر أ و الجار

والمجرور أو الظرف، وذلك لأغراض منها تعظيم الفاعل أو تحقيره أو علم المخاطب بالفاعل

، (أو الجهل به، ومنها طلب الإيجاز أو إيثار غرض السامع ومنها بيان شهرة اختصاص الفعل(1

وغير ذلك يكون لأغراض بلاغية منها:

-1 إشاعة جو من الرهبة:

العناية الإلهية كانت تحفظ الفتية، ولكن لا يعلم البشر كنهها، ففي وصف حالتهم وما يحل

بمن اطلع عليهم، قال تعالى:.وَلمُلِئْ َ ت مِنْهُم رُعْبَا. [18] ، سر غامض كائن وراء هذا الرعب

مصدره وما يمكن أن يصل إليه، فالهيئة التي كان عليها الفتية أهل الكهف وراءها أ سرار،

شاركت صيغة المبني للمجهول في اكتناف هذه الأسرار.

فمما يشيع جوا من الرهبة ما نشعر به في قوله تعالى:.وأُحِي َ ط ِبثمَ ِ ره. [42] ، خفاء في

الكيفية والطريقة التي تمت بها الإحاطة ووضوح في الأثر. فلا يعلم إذا كانت صاعقة أم نار ا

.1) ينظر ابن كمال باشا: أسرار النحو، تحقيق أحمد حامد، عمان: منشورات دار الفكر، ص 101)

التي أتت على الجنة فأحرقتها. هذا الغموض على الأغلب، شاركت صيغة المبني للمجهول في

تحقيق أبعاده، وتزيد من إشاعة جو الرهبة التي تسيطر على الموقف، فلو عُرف المسبب لقلل

ذلك من الأثر الذي ما زال إلى يومنا هذا لا يُعْرَف متى يأتي، ولكنه يأتي في الوقت الذي لا

يتوقعه أهل المعصية من الكفار ومن حقت عليهم العقوبة.

ومثل ذلك في وصف حال البشر يوم القيامة ما في قوله تعالى:.وعُ ِ رضُ وا على ربِّ كَ

صَفَّا. [48] ، جميع الخلائق يُعرضون على صعيد واحد، وفي هيئة واحدة، لا حول لهم ولا قوة

في ذلك، فلو كانت الخلائق صاحبة الفاعلية لفعل العرض والتجمع صفوفا؛ لقلل ذلك من رهبة

الموقف وخفف من حدته، ولكنه موقف تجلله الرهبة أمام رب العالمين، كان لصيغة المبني

للمجهول دور في إشاعة تلك الرهبة.

ويتكرر الأسلوب مع الصيغة نفسها وفي الموقف نفسه في قوله تعالى:.وَوُضِعَ الْكِتَابُ

َفَترَى الْمُجْ ِ رمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ. [49] ، ومثله في قوله تعالى:.وَيُجَادِلُ الَّذِينَ َ كَفرُوا ِبالْبَاطِ ِ ل

لِيُدْحِضُوا ِبهِ الْحَقَّ وَاتَّ َ خُذوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا {56} وََنسِيَ مَا َقدَّمَتْ يَدَاهُ. [56] . وفي

قوله تعالى:.وَمَنْ أَظَْلمُ مِمَّن ُذكِّرَ ِبآيَاتِ رَبِّهِ َفأَعْرَضَ عَنْهَا. [57] ، فجميع الحالات التي ورد

فيها المبني للمجهول مرتبطة بجو الرهبة والعذاب والإنذار.

-2 الشهرة والاختصاص للفعل:

في قصة موسى والعبد الصالح ورحلته في طلب العلم قال تعالى:.َقالَ لَهُ مُوسَى هَلْ

أَتَّبِعُكَ عََلى أَن ُتعَلِّمَ ِ ن مِمَّا عُلِّمْ َ ت رُشْدًا. [66] ، فصياغة الفعل (عُلِّمْ َ ت) مبني للمجهول، والفاعل

لها معلوم علما تاما، إذ العلم وكما يدركه موسى (عليه السلام) أنه من الله؛ ولذا يك ون ذكر

الفاعل ليدل على العلم المطلق به، واشتهار الفعل واختصاصه به، كفعل الخلق أيضا. فإذا تساوى

الذكر والحذف في السياق كان الحذف أولى؛ لما للحذف من بلاغة تتحقق بالإيجاز.

-3 إنكار الفاعلية:

وقد يحذف الفاعل لحالة من الإنكار تسيطر على المتكلم كما في قوله تعالى على لسان

صاحب الجنتين:.وََلئِن رُّدِدتُّ إَِلى رَبِّي َلأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنَقَلبا. [36] ، فالرجل وصل به

الأمر والكبر إلى الكفر وإلى إنكار البعث وقيام الساعة، بل وتحدى بأن سيكون له خير ا مما

أُعطي في الدنيا. فقد تغيبت الفاعلية لدى هذا الكافر فكرا واعتقادا وكذلك تغيبت من عبارته.

-4 التحرز من ذكر الفاعل مع الفعل:

وقد يكون الفعل مستكرها؛ ولذا يخشى من النطق به و ربطه مع الفاعل أن يؤثر على فهم

السامع أو سوء الظن بالفاعل. ومثل ذلك في قوله تعالى:. ُ كتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ

لَّ ُ كمْ. [البقرة، 216] ، ومن التحرز من ذكر الفاعل في قوله تعالى:.وَإِن يَسَْتغِيُثوا يُ َ غاُثوا ِبمَاء

َ كالْمُهْ ِ ل يَشْ ِ وي الْوُجُوهَ. [29] ، فالله تعالى المغيث، وهو الذي يطلب منه الغوث والرحمة، وعلى

عادة البشر يطلبون من الله في الحياة الدنيا فيرحمهم ويغيثهم، أما في جهنم فلا تصلهم الرحمة؛

لذا كان الغوث على غير العادة لم يرتبط بذكر الفاعل.

-5 الانسجام اللفظي:

الانسجام اللفظي لا يقل بحال من الأحوال عن توافق المعنى، فهو يشكل مرتكزا بلاغيا

ناطقا فاعلا، ومثل ذلك يظهر في قوله تعالى:.يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَا ِ ورَ مِن ذَهَ ٍ ب وَيَلْبَسُونَ

ثِيَابًا ُ خضْرًا مِّن سُندُ ٍ س وَإِسَْتبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عََلى الأَرَائِكِ. [31] ، فيمكن إعادة الصيغة إلى

أصلها -يحليهم الله فيها- فالتعبير المتوقع على جماله المعنوي، إلا أن التعبير في الآية يعطي

انسجاما بين (يحلون) و (يلبسون) ، جمالا إيقاعيا على رأس كل جملة من جمل الآية.

ثالثا- اسم التفضيل:

اسم التفضيل صيغة مشتقة من فعل على وجه مخصوص لبيان الزيادة في صفة مشتركة

بين طرفين على وجه الحقيقة أو التوهم، و"يشمل زيادة الفضل وزيادة النقصان" (1) . اسم

.1) الصبان: حاشية الصبان ج 3، ص 43)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت