دلالة الفعل، ولهذه الصياغة دلالة عميقة، فاسم الفاعل هنا يدل على عدم التأكد من حص ول
الفعل في المستقبل لدى المتكلم ولا يمكن له ذلك، ولهذا فإن الله تعالى ينهى العبد عن مثل هذه
الصيغة ليجعل أمره مرتبطا بمشيئة الله.
وتتكشف صورة صاحب الجنتين وظهور حالته النفسية في قوله تعالى:.ودَ َ خلَ جَْنَتهُ وهُو
ظالِمٌ لنفسِه. [35] ، فاسم الفاعل في هذا النمط من التركيب جزء من الجملة الحالية ذات التكرار
الواسع في هذه السورة، لتشكل ظاهرة أسلوبية سيتم التفصيل لها _ إن شاء الله _ في باب
الصورة الفنية، ومن خلال متابعة أحداث القصة نجد عمق التركيب في صيغة اسم الفاعل،
ودلالة التنوين الذي لحق به حدده عدم الثبات؛ فكان الرجل ظالما لنفسه في اللحظة التي كانت
سببا في وقوع العقوبة عليه، ولكنه بعد ذلك ارتدع وندم، ونلمس ذلك في قوله تعالى:.ويَق ولُ
يا َليَْتني َلمْ أُ ُ ش ِ ركْ ِبرَِبي أَحَدَا. [42] ، فلو كان اسم الفاعل مضافًا لدل ذلك على أنه دام على
عناده وكفره. وبذلك عبرة وهي أن باب العودة إلى الله لا يوصد والأمل في التوبة ممكن. وفي
قوله تعالى:.ودَ َ خلَ جَنَّتَهُ وهُو َ ظالِمٌ لَِّنفْسِهِ. [35] ، فسياق الجملة، وهو ظالم، واقع حا ً لا،
والحال في الأغلب تدل على تغير؛ ولذا جاء اسم الفاعل منونًا أي عامل في كلمة نفس، واسم
الفاعل إذا عمل أعطى دلالة الفعل في التغير وعدم الثبات، فيشكل التركيب اللغوي انسجاما بين
اللغة و دقة المعنى، واللام في (لنفسه) حرف جر، إذا أجرينا عليه إجراء الحذف، لوجدنا
العبارة، ظالمٌ نفسَه، فاللام استخدمت لغرض بلاغي تفيد اختصاص الظلم المتحقق لن فس
صاحبها وقصره عليها، إذ بإسقاطها قد يكون الظلم شام ً لا لنفسه وللآخرين وأشياء أخرى، أما
من الناحية الصوتية، فإذا حذفت اللام فتكون العبارة، وهو ظالمٌ نفسه، فتتشكل ظاهرة ص وتية
من التنوين والنون، ولتقاربهما فإنهما يدغمان، والإدغام يلجأ إليه للتخلص من وضع نطقي
صعب، أو لتشكيل انسجام صوتي، وهذا الانسجام متحقق لوجود اللام الفاصلة بين التن وين
والنون ولا صعوبة في النطق تلحظ.
وتظهر بعض الإجراءات التقابلية الاستبدالية مدى العمق الدلالي في اسم الفاعل. فقد جاء
اسم الفاعل مجردا من التن وين في ق وله تعالى:.الَّذِينَ َتَتو فَّاهُمُ الْمَلائِ َ ك ُ ة َ ظالِمِي
أَنُفسِ ِ همْ. [النحل، 28] ، فهو مضاف إلى معموله، ليدل على اللزوم والثبات، وهذا ه و حال
الكافرين في ثباتهم على كفرهم حتى الموت، فوجود النون (التنوين) يخفي ظاهرة المد ص وتًا
ودلالة مما يؤكد تناغم الظواهر الصوتية والدلالية في النص الأدبي. ولذا اخفت النون ليظهر
المد ودلالته.
ومثل ذلك في دلالة اسم الفاعل وإسهامه في رسم الصورة وإظهار البعد النفسي في قوله
تعالى:.وَوُضِعَ الْكِتَابُ َفَترَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ. [49] ، اسم الفاعل (مشفقين) وقع
حا ً لا مقترنًا بالنون (المقابل الصوتي للتنوين؛ ليضفي جرسًا موسيقيًا وبعدًا في التصوير النفسي،
بالإضافة إلى حالة التشتت التي تلمح من صوت الشين. فيتوافق البعد الصوتي والصرفي معا.
ومن خلال إجراء استبدالي بين صيغة اسم الفاعل وصيغة أخرى نلمح الفرق: فلو كانت العبارة
(الذين أجرموا مشفقين) ، فالزمن مع الفعل يحصر الدلالة في ذهن المتلقي وكان الأمر يخص
غيره، وطول العبارة المتشكلة مقارنة مع الصيغة المستعملة، وطبيعة التشكل الصوتي المتناغم
من تتابع النهايات الصوتية في المجرمين و مشفقين، وهذا لا يتأتى مع الصيغ الأخرى.
وتستمر ظاهرة اسم الفاعل في تجليات تريح النفس عند كشف جوانب منها"فعلى الباحث"
الأسلوبي أن يترك العمل الأدبي يمارس عليه تأثيره الشامل العميق دون أن يوجهه أي اهتمام
ثا ٍ ن للملامح والخواص الأسلوبية، فالبحث الأسلوبي ليس عملية رياضية على مق ولات
مسبقة" (1) . وسوف يظهر اثر ذلك في قوله تعالى:.َقالَ سََت ِ جدُنِي إِن َ شاء اللَّهُ صَابِرًا وََلا"
أَعْصِي َلكَ أَمْرًا. [69] ، ف (صابرًا) في الآية اسم فاعل حال لنفس مؤمنة، امتثلت لأمر الله
وتعلم من الإرشاد الإلهي ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله. وموسى(عليه
السلام)على عزيمته الظاهرة في اسم الفاعل التي لو كان افعل (إن شاء الله أصبر) بد ً لا من
الصيغة المستعملة لما أعطت نفس العزيمة والدلالة، إلا أنه مع هذه العزيمة يتوكل على الله؛
فاسم الفاعل فيه دلالة الثبات وهذا مطلب رئيس في رحلة العلم ودلالة الثبات في اسم الفاعل
جعل لها النحاة اسما خاصا وهو الصفة المشبه باسم الفاعل.
.1) فضل، صلاح: علم الأسلوب مبادئه إجراءاته، ص 168)