الصفحة 25 من 61

يتعاضد الإدغام في توزيعه داخل الآية، فتكون في الآية بالإضافة إلى الصورة الفنية الجميلة

المعتمدة على التعبير بالحقيقة، إيقاعا موسيقيا من تكرار أسلوب الشرط إذا.

ومن الإدغام الناتج عن الزيادة كثير مما يفيد المبالغة، في قوله تعالى:.وُنقَلِّبُهُمْ َ ذا َ ت

الْيَمِي ِ ن و َ ذا َ ت الشِّمَا ِ ل. [18] ، فالتقليب عمل لم ينقطع طوال الفترة التي مكثها الفتية في الكهف

رعاية من الله لهم.

وإذا كانت عملية الإدغام إدخال صوت بصوت آخر، فإن منه ما يضفي ظلا ً لا من الق وة

على التعبير، ويظهر أثر الإدغام في قوله تعالى:.وَُق ِ ل الْحَقُّ مِن رَّبِّ ُ كمْ. [29] ، تتابع في الآية

الأصوات المدغمة ثلاث مرات لتشكل ظاهرة ارتبطت مع المعنى العظيم، وإظهار هذا التعظيم

يلفت إليه ملمح الإدغام.

ومن الإدغام ما يشكل منه إيقاعا لتكرار أصوات الإدغام في قوله تعالى:.أَ َ كَفرْ َ ت ِبالَّذِي

َ خَلَقكَ مِن ُترَا ٍ ب ُثمَّ مِن نُّطَْفةٍ ُثمَّ سَواكَ رَجُ ً لا. [37] ، أثر تكرار ظاهرة الإدغام (ثم من نطفة ثم)

على الإيقاع والانسجام الموسيقي المراعى من تتابع، (من، ثم من، ثم) ، وما يعطي ذلك للجملة

من امتداد يظهر الوشائج الرابطة بين المراحل التي يمر بها خلق الإنسان وحياته، فيكشف بذلك

الأثر على الجانبين الشكلي والموضوعي للنص.

ومن الإدغام الناتج عن الزيادة والتصريف للفعل في قوله تعالى:.َفأَصْبَحَ يُقَلِّبُ َ كفَّيْهِ عََلى

مَا أَنَف َ ق فِيهَا. [42] ، أثر الإدغام في توصيل أبعاد الصورة النفسية، والتكثير والمبالغة فيها

الناتج من مضاعفة الأصوات المدغمة. فلو كانت العبارة قلب كفيه، فإنها ومن المؤكد لن تعطي

نفس الدلالة المراد توصيلها مع الهيئة والصورة الحاصلة.

مما يفيده الإدغام:

ويمكن أن نجمل ما أفاده الإدغام في السورة فهو قوة في الصوت الثاني فعلى الأغلب يشكل

بداية مقطع؛ فهو متمكن من موضعه"ولهذه القوة الموقعية رأى عبد القاهر الجرجاني أنها ذات"

أثر في توضيح خصائص التشكيل الصوتي، وأنها هي التي أضافت إلى قوة الإدغام ومنحته

ثراء ومادة جديدة" (1) ، وكذلك المحافظة على صفات القوة وتمكينها"وهذه الصفات ت وجه

.(تصورنا للإدغام وتطلعنا على طريقة خاصة في تشكله وتكشف أسرار تركيبه واستعمالاته"(2"

ونجمل القول في أثر الأصوات المفردة في السورة، أن الأصوات المجهورة أسهمت في

إبراز المعاني القوية والعميقة، وتكشف عن أبعاد نفسية؛ وذلك لعلاقة الجهر والهمس بأ ول

لحظات التشكل الصوتي. وتركزت الأصوات المفخمة في المواقف التي تدل على الق وة

والتمكين والإحاطة والتعظيم مما كان له أثر على تعميق فهم المعنى والتوسع في الخيال

والتصوير. أما الأصوات الانفجارية أسهمت في توسيع الحركة والحدث. لما في الجهر من قوة

طبيعية في إخراجها؛ فيكسبها قوة إضافية في التأثير، وكش ف الأبعاد النفسية والانفعالية

للشخوص المتكلمين. الأصوات الصفيرية توسع من نشاطها لاشتمالها على ملامح متعددة

فتشرك في ملمحي الهمس والتفخيم، وهذا يعطيها الإمكانية في التوسع والتأثير. بالإضافة لما في

طبيعة الصوت من قوة وبعد تأثير فكان لها ظلال تشكل جانبا يسهم في توصيل المعنى.

ثانيا- المستوى الصرفي:

التناغم الصوتي والصرفي:

التناغم بأشكاله المختلفة مطلب بلاغي جميل على المستوى الشكلي البنيوي، ويكون على

مستوى لغوي بعينه أو بين أكثر من مستوى؛ ولذا يلاحظ احتمال التداخل بين جوانب الدراسة

الأدبية والتحليل مع التلاقي في النتائج، وهذا عائد بالطبع إلى طبيعة العمل الأدبي التي لا يمكن

الفصل بين أجزائها فصلا تاما؛ إذ قد يشوه الفصل بين أجزاء العمل الأدبي ويفقده ملامح

الوحدة الضرورية لنجاحه، وبالتالي نجاح الدراسة النقدية له. ولذا كان لا بد من الربط بين

المستويات اللغوية والتدرج بينها.

أو ً لا- المشتقات ففي الأغلب مع بنية الفعل؛ إذ يعد الفعل أساسا في البناء اللغوي، على رأي

من أخذ بقول علماء مدرسة البصرة، إلا أن الدراسة الأدبية قد تتجاوز هذا الترتيب فيك ون

.1) سلوم، تامر: نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، سوريا: دار الحوار للنشر والتوزيع، ص 26)

.2) نفسه، ص 26)

حسب كثافة الظهور للعنصر اللغوي في النص الأدبي المدر وس، ونظرا لتكاثف ظاهرة

المشتقات إحصائيا ومؤثرا فاع ً لا في سورة الكهف، فسوف نتناول المشتقات أولا تأتي الأفعا ل

ثانيًا.

أو ً لا- المشتقات:

أ- اسم الفاعل:

اسم الفاعل اسم مشتق من الفعل فيدل عليه وعلى من قام به، وهو من المشتقات التي يقترن

به التنوين في كثير من الأحيان، ولكن ضمن غايات يحققها، دلالية معنوية وجمالية ص وتية

وتصويرية، التنوين فيها يسهم في صياغتها وتشكيلها. فقد وردت صيغة اسم الفاعل خمس ا

وثلاثين مرة، وهذا التكرار له دلالة أسلوبية متميزة؛ إذ إن صيغة اسم الفاعل أمام اختيار بين

الاسمية والفعلية، وبين الثبات واللزوم، وبين التجدد والتحول، نلمس أثر ذلك من خلال أمثلة

مختارة تمثل جوانب من هذه الظاهرة.

فاسم الفاعل باخع في قوله تعال:.َفلعَلكَ باخعٌ َنفسَك. [6] ، فتظهر حوله في الآية ظاهرتان

أسلوبيتان متلازمتان صوتية وصرفية: الصوتية مبعثها طبيعة الأصوات والترتيب المخرجي

والتنوين، والصرفية من تكرار اسم الفاعل، فقد يحذف التنوين أو يبقى فيكون اسم الفاعل عام ً لا

فيما بعده، ليدل دلالة أخرى أكثر عمقا؛ إذ إن اسم الفاعل إذا عمل اقترب في دلالته إلى الفعل

والحدوث، وارتباطه في المستقبل أكثر من الاسمية فيدل على التغير والتجدد، وقريب إلى هذا

الرأي ما ذكره الدكتور سمير استيتية"ذلك أن اسم الفاعل يدل على الاستقبال فقط عندما يك ون"

عاملا و [عامله] والصحيح معموله منصوبا" (1) ، أما في حالة الإضافة، فيقترب اسم الفاعل من"

الاسمية ليدل على الثبات واللزوم. ولعل هذا ما يفسر الاختلاف بين علماء اللغة في تبويب اسم

الفاعل.

(1) . استيتية، سمير شريف: منازل الرؤيا منهج تكاملي في قراءة النص، ط 1، عمان: دار وائل، 2000، ص 96

والآيات التالية فيها أمثلة توضح دلالتي الثبات واللزوم على التوالي: فمن الثابت في العقيدة

أن الله غني عن العالمين؛ ولذا جاء اسم الفاعل غير عامل في قوله تعالى:.وما ُ كنْ ُ ت مَُتخِ َ ذ

المُضِلِينَ عَضُدَا. [51] ، وحالة اليقين التي وصل لها أهل النار عندما رأوها في قوله تعالى:

.َف َ ظُنوا أََنهُم مُواقِعُوها. [53] ، فكان اسم الفاعل (مواقعوها) مضافا غير عام ل، علمًا أن

الحدوث سيكون في المستقبل من الزمن. يلاحظ في الآيتين السابقتين أن اسم الفاعل لم يعمل

عمل الفعل بل جاء مضافا إلى معموله، وهذا مما يقربه أكثر من دلالة الاسم الدال على الثبات

واللزوم أكثر من الفعل، فاسم الفاعل (متخذ) مضافًا يدل على ثبات في الحكم الإلهي القاطع

والثابت بعدم اتخاذ المضلين عضدا، وكذلك الحال في الآية الثانية في اسم الفاعل (مواقعوها)

فاسم الفاعل (مواقع) جاء مضافا فلم تلحق به النون، ليدل على أن الكافرين قد أيقن وا يقينًا لا

شك فيه أنهم ثابتين خالدين في حالتهم تلك في نار جهنم. فإذا كان أهل النار تلك حالهم، فإن

أهل الجنة في قوله تعالى:.مَاكِثينَ فِيهِ أَبَدَا. [3] ، وسوف يظهر أثر الثبات والتحول (الحركة)

على الصورة الفنية في الفصل الثالث مع مشيئة الله.

وتظهر دلالة التغير لاسم الفاعل في الآيات الكريمة التالية:

فقد وردت الآيات على هذه الظاهرة في وصف هيئة الفتية أهل الكهف ومعهم كلبهم

وصورة تقلبهم قال تعالى:.َو َ كلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعيه) [18] ، الآية تعرض صورة الفتية وهم في

الكهف، ولذا سيتم عرض الصورة بالتفصيل في الفصل الثالث بإذن الله. أما اسم الفاعل (باسط)

الذي جاء منونًا فيدل على أنه يعمل عمل الفعل، وهذا مما يقربه من دلالة الفعل الدال على

الحدوث والتجدد والتغير؛ مما جعل من اسم الفاعل (باسط) مساعدا في التص وير وتحريك

الصورة في مستوى يقتضيه حال الفتية.

ويظهر اسم الفاعل في صورة حال الدنيا المتقلب المتغير في قوله تعالى:.وَإِنَّا لَجَاعُِلونَ

مَا عََليْهَا صَعِيدًا جُرُزًا. [8] ، فالله عز وجل يغير حال الدنيا من حال إلى حال، فتناسب اسم

الفاعل العامل مع الصورة والتعبير أكثر من غيره من الصيغ اللغوية.

وتتكرر ظاهرة التغير مع اسم الفاعل في قوله تعالى:.وَأُحِي َ ط بَِثمَرِهِ َفأَصْبَحَ يُقَلِّبُ َ كفَّيْهِ عََلى

مَا أَنَف َ ق فِيهَا وَهِيَ خَا ِ ويَةٌ عََلى عُرُوشِهَا وَيَُقولُ يَا َليَْتنِي َلمْ أُشْ ِ ركْ ِبرَبِّي أَحَدًا. [42] ، فاسم

الفاعل خاويةٌ جاء منونًا، وهو في جملةٍ حالية_ والحال بطبيعتها متنقلة_ ليدل على التغير وعدم

الثبات. فالسياق يدل على أن الجنة كانت مثمرة فتغيرت حالها من النضرة والعطاء إلى حال

الدمار والخواء.

فش ّ كل اسم الفاعل في الآيات السابقة ظاهرة أسلوبية متميزة، وذلك أنها تدل على التغير

وعدم الثبات سواء فيما سيكون أو فيما كان، وأنها تكررت في جمل حالية، أسهمت جميعها في

إبراز صور فنية كان اسم الفاعل يمثل عنصرَ عمقٍ وحركةٍ وتأثي ٍ ر، مجال دراسته العميقة في

الفصل الثالث إن شاء الله.

اسم الفاعل يقترن به التنوين في كثير من الأحيان، فيحقق دلالات جمالية ص وتية أو بعدا

صوتيا بين احتمالين، ففي حالة الحذف يتحقق عنصر الخفة في باب الإضافة اللفظية، وفي حالة

إبراز التنوين يظهر أثره صوتا ومعنى، وبذا تجتمع أ و تغلب ج وانب جمالية ومعنوية

وتصويرية، يسهم اسم الفاعل منفردا أو والتنوين في صياغتها وتشكيلها، وقد احتل اسم الفاعل

مركزا في الآيات رغم تبادل الموقع الذي يمثله بين المسند والمسند إليه، وبين حالتي التغير

والثبات، ومثل ذلك التغير في قوله تعالى:.قالَ قائِلٌ مِنْهُم َ كمْ َلِبثُْتم. [19] ، فالتنوين من حيث

الدلالة والمعنى يفيد التنكير أو يقترن بالنكرة في بعض الحالات التي يأتي عليها، فلا يهم أيّ

الفتي الذي قال وسأل، فالتنوين يشعر بالقطع عما بعده، ولكن التركيز على ماهية القول، وهذه

ظاهرة لافتة في سورة الكهف، فالتركيز على الهدف والمغزى في السورة والحدث أكثر من

التركيز على العناصر الثانوية كالعدد مع الفتية مث ً لا، أو المكان الذي كانت تتم فيه الأحداث مع

موسى (عليه السلام) والعبد الصالح، بالإضافة إلى البعد الص وتي المتشكل من الإدغام

المصاحب لصوت الغنة الجميل بين التنوين والميم.

ودلالة النهي تظهر مع صيغة اسم الفاعل في قوله تعالى:.ولا تقولنَّ لشيءٍ إني فاعِ لٌ

ذلك َ غدًَا. [23] ، اسم الفاعل (فاعلٌ ذلك) قد لحقه التنوين مما جعل دلالة اسم الفاعل تقترب من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت