الصفحة 24 من 61

الإعراب والضبط للحروف ويلاحظ ذلك بشكل متكرر. في قصة موسى مع العبد الصالح

(الخضر) (عليهما السلام) ، كان موسى (عليه السلام) في لحظة التحدي والعزيمة على فعل

يتوجه إليه؛ فجاءت الفاصلة من النمط الذي يتكرر في السورة مع المواقف والمعاني الصعبة

(حُُقبا) ، ويكون الانتقال بعد ذلك للعمل والحركة للوصول إلى الم وعد والمكان، فتتابعت

الفواصل التي تشكل نمطا واحدا من حيث المقاطع والحركات الضابطة(سَرَبا، َنصَبا، عَجَبا،

َقصَصا)، فتتابع الحركات الفتحة تتبعها الفتحة، وهي أخف الحركات وأسهلها ينسجم مع طبيعة

الحدث المتسارع، ولذا كان التركيب المقطعي يتشكل من الترتيب (ص ح/ص ح/ ص ح ح /) ،

أي مقطعين قصيرين متتاليين يليهما مقطع متوسط مفتوح، والمقطع القصير يدل على خفة

وحركة سريعة، وهذا التتابع والتكرار تناغم ما بين الصوت والمقاطع وطبيعة الحدث والبعد

النفسي للشخصيات الداخلة فبه.

وعندما دخلت شخصية جديدة مختلفة في طبيعتها إلى ساحة الحدث طرأ تغير على الفاصلة

في الجانبين المكونين للمستوى الصوتي الحركات والمقاطع، فنجد الفواصل المكونة لهذا الجزء

من الأحداث متحرك الأول ساكن الثاني، فهي(عِلْما، رُشْدا، صَبْرا، ُ خبْرا، أ مْرا، ذِكْرا، إِمْرا،

صَبْرا، عُسْرا، ُنكْرا، صَبْرا، عُذْرا، أَجْرا، صَبْرا، َ غصْبا، ُ كفْرا، رُحْما، صَبْرا، ذِكْرا)، أما يمكن

ملاحظته من هذه الفواصل هو التماثل على المستوى الصوتي في الحركة والبناء المقطعي،

فجميع الفواصل من حيث الحركة اتفقت في السكون التي لازمت الحرف الثاني في جميع

الكلمات التسع عشرة، وجاءت السكون بعد الحركات المتنوعة ما بين الكسرة (4) كلمات،

والضمة (7) كلمات، والفتحة (8) كلمات، والسكون تشكل عنصر هدوء وراحة؛ لتعطي فرصة

للتأمل بعد هذا التغير، والتنوع الذي يجلب معه الخير والرحمة في أكثر الأحيان، وربما غير

ذلك، ولكن كل هذا يحتاج إلى الصبر الذي تكرر (5) مرات، في هذا الجزء من قصة موسى

والخضر، والصبر أكثر ما يحتاج إلى الهدوء والسكون، فينسجم مع ذلك التشكل المقطعي من

الفواصل، حيث في جميع الفواصل تشكل الكلمة وحدها مقاطع مست قلة (ص ح ص/ص ح ح) ،

فالمقطعان المشكلان للفاصلة هما من النوع المتوسط الذي فيه ملمح الهدوء، وهذا بالفعل ما

حصل مع النبي موسى (عليه السلام) الذي جاء طالبا العلم، ويندرج في ظل ه ذا التشكل

،[المقطعي أغلب الفواصل إلا في الآية التي تنتهي بقوله تعالى:.لََّقدْ جِئْ َ ت َ شيْئًا نُّكْرً ا. [74

فأدغم التنوين بالنون، فتداخل مع مقاطع الفاصلة من الكلمة التي سبقتها، وهذا التداخل يتلاءم مع

حالة التداخل الذهني لموسى (عليه السلام) ، بين فهم ظواهر الأمور التي يفهما الإنسان ذ و

الطبيعة البشرية وبين الغيب الذي هو من أمر الله.

وبعد قصة موسى (عليه السلام) والرحلة في طلب العلم تأتي قصة ذي القرنين، ليخبر الله

نبيه محمدا عن حقيقة الأمر الذي فيه يستفتي القوم وعنه يسألون. فالفكرة ما زالت في حالة

تواصل واستمرارية، الخضر (عليه السلام) يعلم موسى (عليه السلام) ، والله يعّل م الرس ول

(محمد صلى الله عليه وسلم) ؛ ولهذا الاستمرار في الفكرة كان الاستمرار في النمط المقطعي؛

ليشكل بذلك الخيط الناظم لما سبق باللاحق من تركيب لغوي، ولكن مع إشعار بأن القصة

الأولى قد انتهت وبدء قصة وأحداث جديدة، ولذلك عادت الظاهرة الصوتية التي كانت في

مقدمة قصة موسى مع الخضر حيث الحركة فتحتان متتابعتان ومقاطع قصيرة متتابعة، فظهرت

الفاصلة (سَبَبا) متبوعة بلازمة صوتية تركيبية (أتبع سببا) ، وتشكل ظاهرة أسلوبية تظهر في

مواقع ضابطة نتناولها في باب التكرار في الفصل الثاني.

أما التركيب الصوتي للفواصل في سرد قصة ذي القرنين على مستوى الحركات والتشكل

المقطعي، فكان على النحو التالي: الفواصل التي وردت بعد المقدمة(حُسْنا، ُنكْرا، يُسْرا، سِتْرا،

ُ خبْرا، َقولا، سَدّا، رَدْما، قِطْرا، َنقْبا، جَمْعا، حّقا، عَرْضا)، فقد سبقت قصة سيدنا م وسى

والخضر (عليهما السلام) ، فكانت درسا لكل من يطلب العلم من عزيمة متمثلة في الطالب؛ ولذا

لابد من العمل والتحمل وهدوء نفس، فامتد هذا الهدوء إلى قصة ذي القرنين، فظهر التشكل

المقطعي الهادئ (ح ص/ ص ح ح) . حيث يتكرر هذا النمط خلال عرض القصة (13) مرة،

والخطاب هنا موجه للرسول (صلى الله عليه وسلم) ، ولكل من أراد أن يسلك سبيل العلم

والمعرفة فلابد أن يتمثل ذلك الخلق الهادئ في التلقي وخاصة في العلم.

مما سبق نستنتج أن الفاصلة في القرآن الكريم تحقق بالإضافة إلى النبرة الإيقاعية

والانسجام الموسيقي ارتباطا معنويا؛ فهي مرتبطة بالمعنى الذي تحمله العبارة والآية"فإنك لتجد"

.(أن الفاصلة القرآنية تزيد على القافية الشعرية بشحنة المعنى ووفرة النغم وسعة الحركة"(1"

-التنوين صوتًا ودلالة:

للتوين على اختلاف أنواعه أو مسمياته غير مجال في التحليل، فبالإضافة لارتباطه

بالحركة الإعرابية من رفع ونصب وجر فإن له من الناحية الصوتية سمة عامة مشتركة؛ إذن

للتنوين أثر معنوي تؤديه الحركة الإعرابية ويحدث أثرا موسيقيا قويا حينا ومتنوعا متدرجا حينا

آخر، كأنه إيقاع متميز مسموع، وذلك أن النون حرف يغنُّ وذو وضوح سمعي"فالتنوين يمثل"

عنصر ثراء لغوي، فعلى مستوى الإيقاع لا شك أنه يمثل رنة، تحدث قوة إسماع، حاملة ترددا

.(زمنيا طويلا"(2"

يلاحظ من خلال المتابعة لمواضع التنوين وحالاته والنطق به ما يأتي:

المحافظة على الصوت الأصلي الطبعي له، ومن أمثلة ذلك ما يتجلى في قوله تعالى:

.َفهَلْ نَجْعَلُ َلكَ خَرْجًا عََلى أَن َتجْعَلَ. [94] . وقوله تعالى:.حَتَّى إِ َ ذا جَعََلهُ نَارًا َقالَ

آُتونِي. [96] ، و. وَترَكَْنا بَعْضَهُمْ يَومَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْ ٍ ض. [99] ، هذا النوع من التنوين له في

النص أثر واضح في الصوت، فهو عنصر قطع ووقف بسيط وقوة إسماع. فكان التن وين مع

(خرجًا) مرتبطًا بالطلب، وهنالك فصل بسيط بين فعل الطلب أو فعل الشرط وجوابهما، فكان

صوت التنوين نقطة الوقف الظاهرة في التركيب بين الفعل والجزاء.

وعلاقة التنوين بالإدغام واسعة، فمنه ما يدغم مع غيره وهو كثير، قال تعالى:.َقالَ هَ َ ذا

رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي. [98] ، فأدغم التنوين مع الميم، وتبعه إدغام النون بالراء، فيتركز أثر التن وين

على الجانب الصوتي وذلك بما يحدثه من إدغام بغنة أو بغير غنة. والغنة صوت جميل يراعى

في القراءة القرآنية المُجيدة، فتحدث في النفس ارتياحا للقارئ أو السامع على حد سواء.

.1) بدوي، أحمد: بلاغة القرآن، ص 89)

.2) كشك، أحمد: من وظائف الصوت اللغوي، ص 13)

ومن التنوين ما يتحول إلى أصوات اللين، وهو كثير في سورة الكهف فيشكل أغلب فواصل

الآيات؛ مما يجعل نهايات الآيات المتوافقة المنسجمة ذات الإيقاع المنتظم، بالإضافة إلى النظام

المقطعي المتكرر الذي يشكل ظاهرة من الظواهر الأسلوبية.

وأثر التنوين صوتا ودلالة مع تغير القراءة يظهر في قوله تعالى:. َ كبُرَتْ َ كلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ

أَفْواهِ ِ همْ إِن يَُقوُلونَ إِلا كَذِبًا. [5] ، قرئت (كلمة) بالضم وبالفتح، ففي الحالتين يبقي التن وين. إلا

أن القراءة بالنصب أعطت ظاهرة أسلوبية لافتة وهي ظاهرة الانزياح، وهذا أسلوب يتطلب من

السامع أن يكون واعيًا لما يسمع، وهذا ما أشار إليه علماء اللغة حديثا، وخاصة في الت وليدية

التحويلية والسامع المثالي (1) . فالسامع يتوقع مباشرة أن يكون حكم (كلمة) الرفع على الفاعلية،

ولكن لسبب ما يظهر بعد التفكير والتأمل أن الكلمة احتلت موقع النصب على التمييز مما يثير

في نفس المتلقي تساؤ ً لا بداية ورغبة للمعرفة العميقة المتكونة في التعبير الأدبي والتص وير

الفني، فينكشف أثر ذلك الانزياح لإفادة المبالغة في الذم والتعجب مما قالوا وما تحمله تلك

الكلمة من سوء.

الإدغام:

الإدغام عنصر من عناصر تفسير التشكيل الصوتي،"فهو عنصر هام في فاعلية اللغة"

وفي توضيح ما يسمى عملية التحليل الصوتي" (2) . ويدخل في عملية الإدغام نشاط واسع في"

حركة اللغة نحوا وصرفا، وعلاقة ذلك في الدلالة والمعنى وجماليات اللغة التي هي من صميم

عمل الدارس اللساني.

مفهوم الإدغام: الإدغام اصطلاحا إدخال حرف في حرف آخر وذلك لعلة صوتية تقضي

ذلك، وقد عرّفه ابن جني بقوله"إنما هو تقريب صوت من صوت" (3) . وينشأ الإدغام إما بأثر

من الزيادة على مبنى الأصل لما اقتضاه السياق والمعنى أو من التشكل الصوتي الناتج من

، 1) ينظر، ليونز، جون: نظرية تشومسكي اللغوية. ترجمة حلمي خليل، ط 1، القاهرة: دار المعرفة الجامعي ة، 1985)

.ص 78

.2) سلوم، تامر: نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، سوريا: دار الحوار للنشر والتوزيع، ص 25)

.3) ابن جني، أبو الفتح عثمان: الخصائص، تحقيق محمد النجار، بيروت: المكتبة العلمية، ج 2، ص 139)

التركيب اللغوي لنظام الجملة، وتجاور الأصوات فيما بينها، فيكون الإدغام خير وسيلة للتخلص

من صعوبة صوتية، وإحداث جمالية مرغوب فيها، وفك الإدغام لغير علة تقتضي ذلك يجشم

الناطق صعوبة؛ لتقارب الأصوات مخرجا أو صفات أو كليهما. وقد يجب الفك بين الأص وات

المدغمة لما يطرأ عليها من زيادات وتحولات في مبناها.

أحكام الإدغام المتنوعة مما يراعى في القراءة والتلاوة للقرآن الكريم، فالإدغام يشكل في

جانب ظاهرة صوتية وفي جانب آخر ظاهرة لغوية صرفيّة لكل منهما أثره الخاص والمشترك

مع غيره من عناصر البناء الأدبي.

وينشأ الإدغام لعوامل عدة منها: تقارب المتماثلين، ويكون الإدغام في المثلين إذا اشتركا

في المخرج والصفة إرادة للخفة والتناسب بين صفات الأصوات (1) ، والحذف والزيادة. فمن

الألفاظ التي تكررت فيها ظاهرة الإدغام الصوتي في قوله تعالى:.إِنَّا جَعَلَْنا مَا عََلى الأرْ ِ ض

ِ زيَنةً لَّهَا. [7] ، تكررت في قوله تعالى:.وإّنا َلجَاعِلون. [8] ، في الآيتين يجوز تشكل الإدغام

بعد أن تم الحذف من أصل العبارة إّننا، فتتابع الأمثال صعب في اللفظ فحذفت إحدى النونين من

(إنّ) وأدغمت الثانية مع نون الضمير المتصل (نا) . فحقق بذلك تماسكا صوتيا له في المعنى

قوة، وفي الجانب الصوتي رقة وانسجاما أكثر مما لو جاءت الصيغة على أصلها.

ومثل ذلك من الإدغام ما نجده في قوله تعالى:.لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي. [38] ، الإدغام يكشف

من خلال التحليل أثر النفسية المؤمنة، فأصل الكلمة لكنّ أنا، فعند الحذف التقت الأص وات

المتماثلة فأدغمت، وتوصل المتكلم إلى المعنى الأهم لديه (هو الله ربي) ، فالإدغام جمع بين

الانسجام الصوتي والبعد النفسي.

ويشارك الإدغام كظاهرة صوتية في تماسك عناصر الصورة الفنية ويظهر مثل ذلك في قوله

تعالى:.وَترَى الشَّمْسَ إِ َ ذا َ طَلعَت تَّزَاورُ عَن َ كهْفِهِمْ َ ذا َ ت الْيَمِي ِ ن وإِ َ ذا َ غرَبَت تَّقْ ِ رضُهُمْ َ ذا َ ت

الشِّمَا ِ ل وهُمْ فِي َفجْوةٍ مِّنْهُ. [17] ، تلاحم صوتي ناشئ من عملية الإدغام يماثل عملية التلاحم

بين مظاهر الطبيعة المسخرة لرعاية الفتية في الكهف. فالتركيب اللغوي يشكل إيقاعا جميلا

.1) رمضان محي الدين: وجوه من الإعجاز الموسيقي، ص 90)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت