بخط أفقي مع الجملة الخبرية حتى تصل إلى قوله تعالى: (ولم) ، فتبدأ النغمة بالصعود إلى قوله
تعالى: (قيما) فتستقر النغمة الصاعدة في قوله تعالى: (لينذر بأسًا) ، فالنبرة العالية تتلاءم مع
الإنذار، وتعود النبرة إلى الاستقرار بالخط الأفقي مع التبشير للمؤمنين، هذا بالإضافة إلى ما في
التعبير من لفتة ذات بنية عميقة في الفهم، فالبنية السطحية إخبار من الله باختصاص الحمد
لجلاله، وفي المعنى العميق هو إرشاد ليتمثل العبد مقتضى الجملة من حمده لله على كل حال
هو فيها.
ولا يقل أثر التنغيم على الجمل الاستفهامية في خروج الاستفهام عن المعنى الأصلي إلى
معان أخرى بما يعرف ب (الخروج عن مقتضى الظاهر) . ويلاحظ أن هنالك حالات من التغير
في التنغيم ناتجة عن أسلوب الالتفات، وذلك كما في قوله تعالى:.على عبده. [1] ،.َفَلعَلَّكَ
بَاخِعٌ نَّفْسَكَ. [6] ، أسلوب الالتفات فيه تغير في طبيعة الخطاب بين حالتين ويتن وع الالتفات
ولهذا التنوع أثر على النغمة. فكانت النغمة بداية مع أسلوب الغائب (عبده) النبرة متوسطة وفي
حالة الانتقال إلى المخاطب (فلعلك) ارتفعت النغمة الصوتية لترافق ذلك التغير إلى الأسل وب
الجديد.
وتظهر نبرة التحدي والنغمة الصاعدة في قوله تعالى:.هَؤُلاء َقومَُنا اتَّخَُذوا مِن دُونِهِ
آلِهَ ً ة لَّولا يَأُْتونَ عََليْ ِ هم ِبسُلْ َ طا ٍ ن بَيِّ ٍ ن َفمَنْ أَظَْلمُ مِمَّ ِ ن افَْترَى عََلى اللَّهِ َ كذِبًا. [15] ، فالعبارة
الأولى (هؤلاء قومنا) و (اتخذوا من دونه آلهة) جمل خبرية تسير على نغمة مت وسطة تفيد
الإخبار، وعندما وصل إلى كلمة (لولا) التي فيها ملمح التحدي والتعريض بالكافرين، صعدت
النغمة لتنسجم مع هذا المعنى بقوة التحدي للكفار. والشرط أسلوب من أساليب اللغة التي تعتمد
على ظاهرة التنغيم. فجملة الشرط تتكون من ثلاثة عناصر متفق عليها أداة الشرط وفعل الشرط
وجواب الشرط إلا أن إخراجها صوتيًا يتشكل من عنصرين، فتجتمع الأداة مع فعل الشرط
ويسكت قلي ً لا ويتابع ولكن بنغمة مختلفة عن نغمة العنصر الأول.
ويلاحظ أثر النغمة الصاعدة في قوله تعالى:.ُترِيدُ ِ زيَن َ ة الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. [28] ، فإذا قرئت
الآية بنغمة متوسطة متواصلة، فتشكل جملة خبرية، فيها إقرار وكأن الرسول(صلى الله عليه
وسلم)يريد زينة الحياة الدنيا، والأمر ليس على هذا المعنى، والله أعلم، ولذا لابد أن تقرأ بنغمة
صاعدة، فتنتقل العبارة إلى جملة إنشائية استفهامية، الاستفهام فيها خرج عن معناه الأصلي ليفيد
الإنكار، أتريد زينة الحياة الدنيا؟ استفهام محذوف الأداة (1) ، فقراءة العبارة تريد زينة الحياة الدنيا
بنغمة الإخبار، كأننا بذلك نقر أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يرغب بالحياة الدنيا، علما
أن التصور الذهني لكل مسلم لشخص الرسول (صلى الله عليه وسلم) يجعل نبرة الاستفهام هي
الأقرب إلى الذهن لدى المتلقي، مما يبين أثر أسلوب الانزياح في التنغيم.
وقد تؤدي النغمة في العبارة مظهرا انزياحيا عن المعنى المتوقع في العبارة، فتلحظ تلك
النغمة من خلال الكلام المنطوق، وقد يشير المعنى والسياق إلى طبيعة التنغيم كما قي ق وله
تعالى:.َفَلعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عََلى آثَا ِ رهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمُِنوا ِبهَ َ ذا الْحَدِيثِ أَسَفًا. [6] ، لعل في الأصل
تفيد الترجي في المحبوب وللإشفاق من المحذور، وقد تكون للنهي أي لا تبخع نفسك (2) . وقد
تكون في موضع الاستفهام هل أنت باخع نفسك (3) ، ولهذه المعاني المختلفة التي يمكن أن يعطيها
النص يكون الحكم لطبيعة القراءة والنغمة، فاختلاف النغمة صعودا أو هبوطا يتبع المعنى الذي
تتوجه إليه القراءة أو ما يخرج إليه التعبير عن مقتضى الظاهر.
ويظهر أثر التنغيم في قوله تعالى:.ويَومَ يَُقولُ نَادُوا ُ شرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمُْتمْ. [52] ، فلم يعد
النداء وفعل الطلب من أجل القيام به، بل على سبيل التعريض بالكافرين وسوء تفكيرهم وقلة
تدبرهم، فالنغمة للقراءة تختلف عن طبيعة الطلب الحقيقي ويشير إلى ذلك ويؤكده قوله تعالى:
(الذين زعمتم) .
الفواصل:
من المعلوم أن سور القرآن الكريم ترتبت الآيات فيها ترتيبًا وقفيًا، ومن المعلوم أيضا أن
النزول كان حسب المناسبات ومقتضى حال الدعوة والمسلمين، إلا أن ومن يقرأ القرآن الكريم
1)الأشموني، أحمد بن محمد بن عبد الكريم: منار الهدى في بيان الوقف والإبتدا، دمشق: دار المصحف، 1403 ه-)
.1983 م، ص 169
.2) حسان، تمام: البيان في روائع القرآن، القاهرة: عالم الكتب، 1993 م، ص 83)
.3) الأندلسي، أبو حيان: تفسير البحر المحيط، 6 مج، ط 2، بيروت:،دار الفكر، 1398 ه - 1978 م، ص 654)
يشعر أن بين سوره تناسبا وتناسقا رغم الفواصل بينها، والآيات كذلك يفصل ها عن بعضها
بفواصلَ، إلا أن هنالك علاقات قائمة بين الآية والفاصلة، فمنها الفاصلة المتممة لمعنى ا لآية
التي اشتملت عليها، أو مجملة لمعنى مؤكدة له، هذا ما يختص بالمعنى، أما من حيث وقعها
السمعي الناشئ من طبيعة اللفظ، فهي ذاتِ ملام ٍ ح صوتيةٍ لافتةٍ، قد تعدل في بعض الأحيان عن
صيغة إلى أخرى لتحقق توازنا وتوافقا صوتيا يمثل جانبا من جوانب الجمال الص وتي يمتع
النفس، فرعاية الفاصلة"لون من الجمال الموسيقي المؤثر وهو مما يقصد إليه النظم الكريم أخذا"
بالآذان والقلوب" (1) ، والترنم في الصوت يسهّل الحفظ للنص القرآني. ولابد للباحث في النص"
القرآني من دراستها وتحليلها للكشف عن جمالياتها وأثرها الفني والنفسي، وما يمكن أن تؤديه
من تناغم موسيقي ومعنوي مع ما سبقها في الآية" (2) ، والبناء الكلي داخل القصة القرآنية"
والسورة بشكل عام. فالفاصلة"تقع عند الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام بها، وهي"
الطريقة التي يباين بها القرآن سائر الكلام" (3) ، وهي أحد العناصر الصوتية المهمة حيث"تتب وأ
دورها في الإيقاع ذي التطريب والترنم مما يسجل بعدًا وظيفيًا بينًا في الأداء والتأثير وبل وغ
المقاصد والغايات" (4) ؛ فالفاصلة صورة من تشكيلات الأصوات عليها ينهض الإيقاع."
ودراسة الفواصل وتبين أثرها، يستدعي الإلمام بعلوم الأصوات والصرف والنحو والمعجم
والدلالة وموسيقا اللغة، وذلك كله يمدّ الدراسة الأسلوبية بعناصرها الأولى، مما يكشف عن
أهمية الفاصلة في النص القرآني. فإن كانت القافية لها من سمات التأثير الفني المتجلي في
إحداث موسيقا وإيقاع مؤثر في الشعر، فالفاصلة كما سيظهر لنا من خلال الدراسة، أن لها دورًا
في المعنى، وتشكل ظاهرة أسلوبية لها وقعا موسيقيًا مريحا"وفواصل القرآن كلها بلاغة"
.(وحكمة، لأنها طريق إلى إفهام المعاني، فالفاصلة حرة موسيقيًا مقيدة بالمعنى"(5"
.1409، ص 232 - 1) الخضري، محمد الأمين: من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم، القاهرة: مكتبة وهبي، 1989)
.2) عبد الرءوف، محمد عوني: القافية والأصوات اللغوية، مصر: مكتبة الخانجي، 1977، ص 96)
.1999 م، ص 9 - 1420 3) المرسي، كمال الدين: فواصل الآيات القرآنية. الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، ط 1)
.359 - 4) عبد الجليل عبد القادر: هندسة المقاطع الصوتية، ص 357)
1982 م، ص 50 - 5) رمضان، محي الدين: وجوه من الإعجاز الموسيقي في القرآن، عمان: دار الفرقان، 1402)
وتسهي ً لا للدراسة فقد رأى الباحث أن يحصر للفاصلة تعريفًا من ضمن اصطلاحات كثيرة،
التي منها ما حصر الفاصلة بالصوت الأخير أي ما يشبه السجع؛ ولذا تحرج كثير من العلماء
.(من هذا التعريف أي أن السجع يؤثر على المعنى لا تابعًا له وهو مما كان يألفه الكهان"(1"
من خلال الدراسة الصوتية ومتابعتها و تشكلاتها لظواهر أسلوبية، أميل إلى اعتبار
الفاصلة التشكل المقطعي الذي يحدث في نهاية الآية."فالفاصلة هي آخر كلمة في الآية وهي"
حروف متشاكلة في المقاطع" (2) . فظهر من خلال الدراسة ارتباط الفاصلة بأنواع من المقاطع"
تتكرر وبذلك يتوسع مفهوم الفاصلة فيتوسع البحث في الأثر المتأتي عنها م وسيقيا
وأسلوبيًا."والفائدة في الفواصل القرآنية دلالتها على المقاطع وتحسينها الكلام بالتشاكل وإبداؤها"
في الآية بالنظائر" (3) . والفاصلة تحتفظ دائمًا بإحدى صور التوافق والانسجام الص وتي مع"
الفواصل السابقة واللاحقة فتشكل إيقاعا موسيقيا جميلا،"إنه ليس من العيب الحرص على الرنة"
الموسيقية وقد يوجد فيها الحذف أو الإفراد وغيرها من الأحكام" (4) ، وتتفق مع المعنى والوجهة"
الذي يساق إليها.
استعمل القرآن في الفواصل حروفًا ذات وقع نغمي ووضوح سمعي لتظهر للسمع حين
الوقف عليها، والوقف على أواخر الآيات من سنن القراءة كما هو معلوم مما يؤكد أهمية
الفاصلة ويجليها،"وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلا صورا تامة الأبعاد التي"
تنتهي بها جمل الموسيقى وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيبا يلائم نوع الصوت
.(والوجه التي يساق عليه"(5"
وتتعدد جوانب الأهمية والفائدة للفاصلة في القرآن الكريم ما بين سهولة الحفظ، والربط
البنائي للنص والأثر الصوتي الجميل المنبعث منها"والفواصل في القرآن الكريم تكون شاجية"
.1) ينظر الباقلاني: إعجاز القرآن ص 86، والسيوطي الإتقان، ج 2، ص 213)
.1999، ص 11 - 1420، 2) المرسي، كمال الدين: فواصل الآيات القرآنية، ط 1)
.3) رمضان، محي الدين: وجوه من الإعجاز الموسيقي في القرآن، ص 50)
.4) الفراء: معاني القرآن ج 3، ص 271)
.5) الرافعي، مصطفى صادق: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية تحقيق عبد الله المنشاوي، القاهرة: مكتبة الإيمان، ص 184)
النغم، حلوة الجرس عذبة الرنين، تطرب بلفظها، كما تطرب بمعناها، ليتم لها الحسن من جميع
.(جهاته"(1"
وتمتاز بعض الأصوات بالوضوح أحيانا، مما له وقع متميز على النغم وخاصة عند النقاط
الصوتية المركزية ومنها الفاصلة، ف"كثر في القرآن الكريم ختم الفواصل بحر وف المد"
واللين، والنون، والميم، وحكمة وجودها التمكن من التطريب" (2) . وذكر سيبويه أن العرب إذا"
ترنموا فإنهم يلحقون الألف والياء والنون، لأنهم أرادوا مد الصوت ليكون أكثر إسماعًا وتأثيرً ا.
وتظهر المزاوجة والمماثلة في فواصل سورة الكهف على مدى المئة والعشر آيات"التي"
تضمنتها تلتزم الفواصل قيها الألف المدية في نهاياتها مع التنوع في الحرف السابق لها حرف
.(الروي"(3"
وهذه أمثلة تمثل ظاهرة الفواصل وتماثلها قال تعالى:.وَإِنَّا َلجَاعُِلونَ مَا عََليْهَا صَعِيدًا
جُرُزًا.] 8 [، و. لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وََلا أُشْرِكُ ِبرَبِّي أَحَدًا. [38] ، و. وكيف تصبر على ما لم تحط
، [به خبرا. [68] ، و. َقاْلَ أََلمْ أَقلْ ّلكَ إَنكَ َلنْ َتسَْت َ طيْعَ مَعي صَبْرَا. [72] ، و. فاتب ع سَ بَبَا.[85
و. َ ك َ ذلِكَ وقْدْ أَحَطَْنا ِبمَا َلديه ُ خبْرَا. [91] . يتبين من خلال استعراض أغلب الآيات في س ورة
الكهف أنها تنتهي بفاصلة مطلقة؛ مما يشيع في السورة كاملة النغمة الموسيقية المتكررة الجميلة
فعنصر التكرار ظاهرة أسلوبية تستحق التوقف عندها؛ لما لها من أثر جمالي نابع من الإيقاع
من خلال ما"يحس القارئ والسامع بأنه يقف عند معلم من معالم السياق المتصل تحف به"
.(روائع الإيقاع وروائع المعنى"(4"
وتظهر علاقة الفاصلة مع البناء العام في الصورة والمضامين الرئيسة؛ فحيثما انتقل الحدث
وتغيرت طبيعته تغير نمط الفاصلة سواء أكان ذلك في طبيعة الأصوات المكونة أم في حركات
1)عامر، فتحي أحمد: فكرة النظم بين وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية،)
.1975، ص 216،1395
.2) المنشاوي، عبد الله: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية الهامش والتعليق، ص 185)
.3) المرسي، كمال الدين: فواصل الآيات القرآنية، ص 68)
.4) حسان، تمام: البيان في روائع القرآن، ص 279)