الصفحة 22 من 61

تتابع الحركات الإعرابية ودلالتها:

ويشكل تعاقب الحركات وتتابعها في الكلمة وتوافقها مع كلمات أخرى ملمحا أسلوبيا ومثيرا

للباحث في الظواهر الأسلوبية الكاشفة عن فنية النص الأدبي ومحور التمركز على الرغم مما

يظهر من تباعد بين تلك الملامح، وهذا يظهر في قوله تعالى:.وإِنَّا لَجَاعُِلونَ مَا عََليْهَا صَعِيدًا

جُرُزًا. [8] ، فقد سبقت كلمة (جُرُزا) بلفظ يدل على أمر صعب ألا وهو الذهاب بزينة الأرض

وقطعها عن الإنبات. وهذا مدرك صعب على الكافرين. وفي قوله تعالى:.ولا تطع من أغفلنا

قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره ُفرُطا. [28] ، فعاقبة الكفر صعبة وخيمة، وحال الكافر

في حياته لا تقل سوءًا؛ من تشتته. قوله تعالى:.وإِذْ َقالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبُْل َ غ مَجْمَعَ

الْبَحْرَيْ ِ ن أَو أَمْضِيَ حُُقبًا. [60] ، فسيدنا موسى عليه السلام، يتوقع من أجل طلب العلم رحلة

طويلة متعبة التي قد تستمر سنين. والحقب ما يقرب من ثمانين عاما، فكانت الحركات الإعرابية

الثقيلة متلازمة مع الأفعال والأحداث الصعبة. قال تعالى:.أَو يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ ُقبُ ً لا. [55] . ودلالة

(ُقبُ ً لا) أي ضروبا مختلفة من العذاب وهذا مما يجعل الأمر أشد صعوبة، إذ لو كان العذاب من

نوع واحد ربما تهيأت نفوسهم له ولكنهم في كل مرة يأتيهم بشكل مختلف.

وتتكرر صيغة الحركات الإعرابية نفسها في قوله تعالى:. َ ذلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ ِبمَا كَفَ روا

واتَّخَُذوا آيَاتِي ورُسُلِي هُزُوًا. [106] ، وهزوا لها وقع صعب مع آيات الله ورسله، فهز وا"أي"

سخروا منهم في ذلك وهو أشد أنواع التكذيب" (1) . قال تعالى:.إِنَّا أَعَْتدَْنا جَهَنَّمَ لِلْ َ كافِ ِ رينَ"

ُنزُ ً لا. [102] ، وليس أصعب من نار جهنم عذابا على الكافرين إلا إذا تذكروا نعيم الجنة فيز داد

الأمر صعوبة. ولذا جاءت الآية بعدها. قال تعالى:.إِنَّ الَّذِينَ آمَُنوا وعَمُِلوا الصَّالِحَاتِ َ كاَنتْ

َلهُمْ جَنَّا ُ ت الْفِرْدَو ِ س ُنزُ ً لا. [107] ، ولكنّ جنات الفردوس محببة للنفوس، فكانت إعادة الصيغة

المتكررة تشكل عنصرَ ربطٍ بين من كان جزاؤه النار ومن كان جزاؤه الجنة ليكون ذلك الربط

أكثر إيلامًا للكافرين. ويلاحظ من خلال تعاقب الحركات وطبيعة أصواتها أن تتابع الضّمات

على الكلمات التالية: جُرُزا، قبُُلا، ُفرُطا، حُُقبا، هُزُوا، ُنزُلا، وُن ُ كرا، فمن معرفة طبيعة الحركات

.1966، ج 4، ص 401 - . 1) ينظر ابن كثير: تفسير ابن كثير، بيروت: دار الأندلس، 1385)

الإعرابية من حيث خفتها وثقلها في المخرج، فتحتل الضمة المرتبة الأثقل بين الحركات، تليها

الكسرة فالفتحة أخفها. فناسب تعاقبها مع الحالات الصعبة العسيرة.

ومن جماليات الأسلوب القرآني التنوع الذي شمل جميع الأساليب اللغوية، فإذا كانت الضمة

المتكررة لازمت في بعض المواضع التي اتسمت بالصعوبة، فإنّ الفتحة شكلت تتابعً ا ص وتيا

ودلاليا في مواقف متعاقبة، فالتتابع الحركي يحدث انسجامًا موسيقيًا وإيقاعًا مريحًا يظهر في

قوله تعالى:.فاتخ َ ذ سَِبيَلهُ في البَحْ ِ ر سَرَبا. [61] . (سَرَبا) ، وقوله تعالى:.وَاتَّ َ خ َ ذ سَِبيَلهُ فِي

الْبَحْ ِ ر عَجَبًا. [63] . (عَجَبَا) ، قال تعالى:.لقد لقينا مِنْ سََف ِ رنا هذا َنصَبَا. [62] . (َنصَبَا) ، قال

تعالى:.ُثمَّ أتبع سَبَبَا. [89] (سببا) ، قال تعالى:.وَلو ِ جئْنا ِ بمِثْلِ هِ مَدَدَا. [109] (مددا) .

فالحركات المتتابعة التي لازمت (سربا، نصبا، عجبا، سببا، مددا، أحدا) ، يظهر أثرها الص وتي

والدلالي وخاصة في الفاصلة التي تمثل مركزا من مراكز الصوت والإيقاع. فأضفى تتابع

حركة الفتحة خفة في اللفظ وتماث ً لا إيقاعيًا. ومن جانب آخر وسعت جانب الحركة في التصوير،

فحركة الحوت في (سربا) ، وحركة ذي القرنين في (ثم أتبع سببا) . وللحركة جمال في التصوير

لا تخفى.

العدول في الحركة الإعرابية:

تحافظ اللغة في الأغلب على الحركة الأعرابية لما لها من دلالات تركيبية ومعنوية، ويعد

الخروج عن القاعدة التي تتعلق بالحركة الإعرابية تجاوزا لا تقبله اللغة العادية (الوظيفية) ، إلا

أن أسبابا تتعلق بالجانب الفني للنص الأدبي قد تفرض نسيجا لغويا يجعل الخر وج أو العد ول

عن الحركة له ما يبرره ويدفع باتجاهه، فقد يكون تتابع الحركات في نسق معين لا يحقق إيقاعا

مناسبا ويكون غيره أكثر انسجاما مما يجعل السياق يميل إليه"وحين تحرص اللغة على التناسب"

الصوتي؛ فإنها تضحي بقضايا لغوية أخرى" (1) ، ومن ضمن تلك القضاي ا اللغوية الحركا ت"

الإعرابية.

.1) كشك، أحمد: من وظائف الصوت اللغوي، ص 16)

فمن الآيات التي ظهر فيها أسلوب العدول في الحركة الإعرابية وشكل مثيرا أسلوبيا في

قوله تعالى:. َ كبُرَت كلم ً ة َتخْرُجُ من أَفْواهِ ِ هم. [5] ، فعدل عن الرفع إلى النصب. والنصب يدل

على الغفلة والخفة، كما شكلت تعبيرا لافتًا بأسلوب الانزياح من حالة الرفع المتوقعة للكلمة إلى

النصب و"جعلها تمييزا ليكون في إضمار الفاعل والتنكير معنى الاستنكار" (1) ، كما سيظهر في

باب التصوير أثر هذا الأسلوب في هذه العبارة.

النبر والتنغيم:

النبر والتنغيم من الظواهر الصوتية غير التركيبية، فالنبر"نشاط في جميع أعضاء النطق"

في وقت واحد" (2) ، فيعطي الصوت قوة ووضوحا، وهذه السمة وما ينشأ عنها من مؤثر صوتي"

لها دور وفاعلية في البحث عن جماليات صوتية تتحقق من خلال التحول في نبرة الص وت،

وقد تحدث أيضا تحولا في المعنى، فالنبر نشاط صوتي البحث فيه"هو بحث عن جماليات"

التشكيل الصوتي، وكشف عن دلالاته المتعددة ومعانيه البعيدة" (3) . ولأن النبر قرين المقطع"

وملازم له؛ كان من المفيد تناول أثريهما وعلاقة النبر مع التنغيم، فالنبر"وضوح نسبي لمقطع"

من مقاطع الكلمة يفوق وضوح المقاطع الأخرى المجاورة له" (4) . وهنالك أثر لعلاقة النبر"

.(بالمقطع الصوتي ونوعه(5

والنبر ازدياد وضوح جزء من أجزاء الكلمة_ حرف أو مقطع_ في السمع عن بقية ما

حوله من أجزائها، ناتج عن زيادة في الضغط على النفس عند خروج الصوت اللغ وي"ولكن"

أصوات الحروف إنما نزلت منزلة النبرات الموسيقية المرسلة في جملتها، فلا بد لها من ن وع

من التركيب في التأليف بحيث يمازج بعضها بعضا؛ فتتداخل خواصها وتجتمع صفاتها ويك ون

منها اللحن الموسيقي، ويكون من الترتيب الصوتي الذي يثير بعضه بعضا على نسب معلومة

.1) قطب، سيد: النقد الأدبي بيروت: دار الفكر العربي، ص 46)

.2) أنيس، إبراهيم: الأصوات اللغوية القاهرة: دار الطباعة الحديثة، 1961، ص 169)

.3) سلوم، تامر: نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، ص 38)

.4) كشك، أحمد: من وظائف الصوت اللغوي، ص 116)

.5) مزبان، علي حسن: النبر في اللغة العربية /علامات في النقد، 8 مج/عدد/ 30، ص 317)

ترجع إلى درجات الصوت ومخارجه" (1) . وإذا كان علماء اللغة العربية قديما أ و حديثا لم"

يعتبروا اللغة العربية من اللغات النبرية؛ أي التي يكون النبر فيها يشكل أثرا في تغيير المعنى

كما في لغات أخرى الإنجليزية مثلا، إلا أن النبر في العربية له آثار أخرى كاللحن الموسيقي

المتشكل من المقاطع وتتابعها وطبيعتها.

وقبل البدء في دراسة تأثير النبر لا بد أن نميز بين نوعين أو موقعين للنبر وهما:

أو ً لا- النبر الأولي وقد وضع علماء اللغة قواعد محددة لنبر الأولي في اللغة العربية حسب

طبيعة الكلمة المنطوقة ومقاطعها كما يتضح ذلك من التوزيع التالي:

* الكلمة من مقطع واحد يقع النبر على المقطع نفسه. مثال ذلك: مَنْ، و، َلمْ.

* الكلمة من مقطعين يكون النبر على المقطع الثاني.

ثانيا - النبر الثانوي: يتشكل النبر الثانوي في العادة بعد أن تدخل اللواحق الصوتية فتغير من

موقع النبر الأولي لتخلق نبرا ثانويا يشكل إيقاعا وإراحة للسمع فالنبر الثانوي يوضح ما ل ولاه

لخفي السمع ويوجد من التوازن بين جزئي الكلمة ما يجعلها أكثر قبولا وإراحة للأذن.

ويظهر اثر النبرين الأولي والثانوي على النغمة والإيقاع الموسيقي حسب التقارب والتباعد

بينهما."فكلما تقاربت أعداد المقاطع بين النبرين أو انتظم اختلاف بعضها عن بعض حسن"

.(إيقاعها"(2"

،[ومن أمثلة تأثير النبر الثانوي ما تكون في قوله تعالى:.َفلْيَعْمَلْ عَمَ ً لا صَالِحً ا. [110

فالزيادات التي لحقت بالفعل (الفاء واللام) ، شكلت نبرين في الكلمة وإيقاعًا لافتا، يظهر أثرهما

لو أعدنا نطق الكلمة دون تلك اللواحق (اعمل) ، فلا يخفى أثر تلك الزيادة، فهي من جانب أخف

في الطلب، ومن جانب آخر تبني علاقة بناء مع غيرها من صيغ الأمر، كما يظهر في ق وله

تعالى: (َفلْيَُن ُ ظرْ أَيُّها أزكى طعاما) ، (ولْيََتَل َ طفْ) ، ويتشكل النبر الثانوي في عبارة (أنسانيه) في

.1) ينظر الرافعي، مصطفى صادق: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص 182)

.2) أنيس، إبراهيم: موسيقى الشعر، ص 270)

قوله تعالى:.وما أنسانيهُ إلا ال ّ شيطانُ. [63] النبر الهادئ رافق التلطف في الطلب، وفي حالة

من الندم على النسيان لأمر الحوت.

وتزيد اللاحقة الصوتية قي طول الكلمة مما ينشأ عن ذلك النبر الثانوي كما يلاحظ في قوله

تعالى:.ولا تَُقولَنَّ لِ َ شيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ َ ذلِكَ غَدًا. [23] ، يظهر في الآية الكريمة السابقة أثر

اللواحق الصوتية في (تقولنّ) ، على التغير في النبر، فتشكل نبر ثانوي نتيجة للزيادة في مبنى

الكلمة فارتفعت النغمة، وعلى العكس من ذلك ارتفعت النغمة نتيجة للحذف المتأتي مع الإدغام

في (إّني) ، إذ لو جاءت إنني لخف الأثر الصوتي وذهب ملمح القوة الذي يظهره من يدعي

القدرة مع المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله.

تعتمد الدراسة الأسلوبية التنغيم ظاهرة صوتية لها أثرها في النص الأدبي وعلى المعنى؛

فتوجهه أو تغيره إلى معاني أخرى، إذ يمثل التنغيم عنصرًا من عناصر التح ويل،"ويرتبط"

ارتباطا أساسيا بالتغيرات التي تطرأ على تردد نغمة الأساس أثناء الكلام" (1) . وهو من الظواهر"

الصوتية التي لم تلق الاهتمام لدى علماء اللغة العربية القدماء إلا بالقدر الذي يفي بحاجة علم

النحو؛ وذلك لاعتمادهم على اللغة المكتوبة في بعض الأحيان، فالتنغيم ظاهرة ص وتية غير

تركيبية، أما ما يمكن أن يؤديه التنغيم من إطلالات جمالية لافتة ومؤثرة فمن الضرورة أن تهتم

به الدراسات الحديثة التي تستفيد من كل امكانات اللغة المتاحة.

فالتنغيم يعد أسلوبا من أساليب العدول والإزاحة التي تهتم بها الدراسة الأسلوبية، حيث نجد

أثرا للتنغيم في نقل المعنى في الجملة من أسلوب إلى آخر، فالجملة الخبرية على الأغلب ذات

نغمة متوسطة، وصعود النغمة يؤدي بها إلى الانتقال إلى الاستفهام أو أضرب الجمل الطلبية

المتنوعة، وقد تعود النغمة إلى حالات من الهدوء والتوسط، حسب الحال والمقام. ويتنا ول

الباحث من خلال النماذج المتنوعة التي ترصد جوانب من هذه الظاهرة. في ق وله تعالى:

.الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عََلى عَبْدِهِ الْكَِتابَ وَلمْ يَجْعَل لَّهُ عِوجَا {1} قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا َ شدِيدًا مِن لَّدُنْهُ

ويُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَُلونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ َلهُمْ أَجْرًا حَسَنًا. [2] ، فالنغمة تبدأ وتستمر السير

.1980، ص 253 - 1) مصلوح، سعد: دراسة السمع والكلام، القاهرة: عالم الكتب، 1400)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت