الصفحة 21 من 61

أما ما يبدو على أنه من حروف المد الزائدة فيظهر مثل ذلك في قوله تعالى:.قال هَ َ ذا

رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي َفإِ َ ذا جَاء وعْدُ رَبِّي جَعََلهُ دَكَّاء وكَانَ وعْدُ رَبِّي حَّقًا. [98] . لقد ظهرت أصوات

المد في الآية إحدى عشرة مرة، ولكن نقف عند الصورة الانقلابية في كلمة دكاء، فقد فسر

بعض علماء التفسير على أن دكاء هي المصدر دكا، بمعنى أن الردم يوم القيامة سيدك وانتهى

الأمر. على اعتبار أنه يستوي وجود الهمزة وعدم وجودها، ونحن على يقين أن ما من حرف

في القرآن الكريم إلا ووراءه سر وحكمة تقتضيه وجمال في عين كل قلب تتأمله. فالمد المتشكل

لوجود الهمزة بعد الآلف في (دكاء) ، له آثاره المتعددة والمنسجمة في التركيب اللغ وي

والتصوير البياني؛ فالصوت و تجلياته من مد وأثره في جانب، وما يبعث في الذهن والخيال من

صورة فنية استعارية في جانب آخر. ومثله في قوله تعالى:.الَّذِينَ َ كاَنتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِ َ طاء عَن

ذِكْ ِ ري وَ َ كاُنوا َلا يَسَْتطِيعُونَ سَمْعًا. [101] ، وسوف يتم بحث مثل هذه النماذج بعد مشيئة الله في

الفصل الثالث، (الصورة الفنية) .

وحيث تلاحظ الحركة المدية مع الفاصلة التي لازمتها، وأثرها الم وسيقي الناتج عن

التكرار، وما يشكله المد من راحة نفسية و مراعاة المعنى والبعد الصوتي العذب. مع ملاحظة

أن القراءة قد تعطي فواصل داخلية في النص. ومما أفادته أصوات المد في السورة:

-1 لفت الانتباه والتيقظ:

من المحاور الأساسية في السورة قضية الإيمان بالله والتسليم لقضائه وقدره وربطه بمشيئة

الله كما في قوله تعالى:.إلا أن يشاء الله. [24] ، من الأغراض الأساسية في س ورة الكهف

التعليم، يلاحظ ذلك من أول آية وفي خلال أغلب آياتها، والتعليم يقتضي الروية ومنح فرصة

كافية للمتعلم ليحفظ ويدرك ويتفاعل، وهذه الآية ومن خلال معرفة مناسبة نزول الآيات، أراد

الله سبحانه وتعالى أن يعلم نبيه الكريم والمؤمنين ربط أقوالهم وأعمالهم بمشيئة الله وقدرته، ولذا

تكررت العبارة في السورة مرات متعددة، منها قال تعالى:.َقالَ سََت ِ جدُنِي إِن َ شاء اللَّهُ صَابِرًا

ولا أَعْصِي َلكَ أَمْرًا. [69] ، وفي المعنى نفسه قال تعالى:.وَلولا إِذْ دَ َ خلْ َ ت جَنََّتكَ ُقلْ َ ت مَا َ شاء

اللَّهُ لا ُقو َ ة إِلا ِباللَّهِ إِن ُترَ ِ ن أََنا أََقلَّ مِنكَ مَا ً لا ووَلدًا. [39] ، فقد ارتبطت الآية في الأغلب مع

أصوات المد، ويلاحظ ذلك بقوة في قول نبي الله موسى عليه السلام:(َقاْلَ سََت ِ جدُنِي إِنْ َ شاْءَ اللهُ

صَاِبرَا وَلا أَعْصِي َلكَ أَمْرًَا)فقد تكررت أصوات المد ثماني مرات، ليتحقق الهدف والغاية

التعليمية لكل من يسمع الآية.

-2 تعظيم النعيم:

وصف النعيم لأهل الجنة فيه صورة ذهنية ممتدة، وقد رافق هذا امتداد الصوت في قوله

تعالى:.مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عََلى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسَُنتْ مُرْتَفَقًا. [31] ، حيث المد المتكرر في

(متكئين والأرائك) . إن المؤمنين من خلال ما وصفت لهم الجنة ونعيمُها أصبح لهم تص ور

ذهني لبعض ما فيها، والأسلوب القرآني في الوصف تنوع في رسم هذا التصور وتكوينه، فكان

منه ذلك الشعور النفسي المتأتي من أصوات المد، فالاتكاء متمكن قد يطول دون كلل أ و ملل

"وخص الاتكاء لأنه هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم" (1) . والاستعلاء على الأرائك فل و تم

استبدال كلمة الآرائك بكلمة تحمل نفس المعنى كالسرر، فيمكن أن تختفي بذلك ظاهرة المد

الصوتي التي توسع مد التصور الذهني لنعيم الجنة. ومثله في ظاهرة المد في ق وله

.[تعالى:.ماكثين فيه أبدا. [3

والمد الذي يظهر البعد النفسي في العبارة لدى المتكلم، يتضح في قوله تعالى:.ودَ َ خلَ

جَنَّتَهُ وهُو ظَالِمٌ لَِّنفْسِهِ َقالَ مَا أَ ُ ظنُّ أَن َتِبيدَ هَذِهِ أَبَدًا {35} ومَا أَ ُ ظنُّ السَّاعَ َ ة قَائِمَ ً ة وَلئِن رُّدِدتُّ

إَِلى رَبِّي لأ ِ جدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا. [36] ، الرجل المنكر لفضل الله المتعلق قلبه في الدنيا لم يعتقد

ولو للحظة واحدة، أن ماله وجنته سيبيدان؛ ولذا استعمل حرف النفي مع المد (ما أظن) ؛ ليظهر

ما في قلبه من إنكار لنهاية ماله ومدى تعلقه به.

-3 الإقرار بالعبودية والتسليم لله:

من طبيعة صوت المد أنه، في بعض مواضعه، يعطي راحة للمتكلم وزمنا كافيا للتأمل،

يلاحظ ذلك في قوله تعالى:.لَّكِنَّا هُو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ ِبرَبِّي أَحَدًا. [38] ، فمن قال ه و الله

ربي فيشعر براحة ما بعدها راحة، وكأن الَنَفسَ يعود إليه والَنفْسُ قد استراحت. وأما التأمل في

.1) الزمخشري، جار الله محمود بن عمر: الكشاف، بيروت: دار الفكر، ج 2، ص 483)

النعم فيرافقه قول المؤمن في قوله تعالى:.وَلولا إِذْ دَ َ خلْ َ ت جَنََّتكَ ُقلْ َ ت مَا َ شاء اللَّهُ لا ُق و َ ة إِلاِ

39]، ما شاء الله. وفي الجانب المقابل، المؤمن - باللَّهِ إِن ُترَ ِ ن أََنا أََقلَّ مِنكَ مَا ً لا وولَدًا.[38

بالله يعظم النفي للشرك، ويظهر حبه لله مع صوت المد ربي، ويتبع ذلك مدا آخر معظما مشيئة

الله كما هي في نفسه عظيمة.

تفسيرات التشكيل الصوتي:

التشكيل الصوتي مجال رحب لكشف جماليات المكون الصوتي المتمثل بكل ما له علاقة

بالمقطع، والنبر، والارتكاز، والتركيب، وتفاعل الدلالات، ونشاط السياق، وفاعلية التشكيل

الصوتي في قدرته على خلق إيقاعات متنوعة، وربط المعنى بالتأثير الصوتي.

من ظواهر التواؤم والانسجام بين الصوت والمعنى وطبيعة تشكل المقاطع الص وتية ما

نجده في الآيات التالية قال تعالى:.وَفجَّرَْنا خِلاَلهُمَا نَهَرًا. [33] . فنأخذ جانب المكون الصوتي

في هذه الآية، فحرف النون حرف ذو وضوح سمعي؛ فهو من الأصوات الرنانة وفيه معنى

الثبات والاستقرار، فالنون تعطي دلالة الثبات والاستقرار للنهر منذ البداية، وحرف الهاء حرف

شبه احتكاكي؛ أي سهل المخرج؛ مما أعطى سهولة الجريان، والراء حرف فيه الاستمرار وهذا

مما يجعل النفس أرغب بهده النعمة وتميل إليها؛ إذ الماء الجاري المتواصل الجريان يكون أكثر

صفاءً وجما ً لا، أما كون الهاء متحركة بالفتحة، فقد تشكل من ذلك وجهان من الجمال, أولهما -

الفتحة حركة خفيفة فأضفت على التركيب للكلمة حركات متتابعة خفيفة، ثانيا أن تحرك الهاء

شكل التشكيل المقطعي التالي: ن /ه / را ص ح/ ص ح/ ص ح ح.

مقطعين قصيرين يتلوهما مقطع طويل-متوسط - مفتوح. مما يشكل نغمة موسيقية تشنف

الآذان لسماعها، وتتمتع القلوب لمذاقها وتتردد لتشكل نمطا مقطعيا في كثير من الفواصل في

نهايات الآيات؛ ليعطي ذلك التردد كما سنلاحظ مدا موسيقيا في أغلب الس ورة. التركيب

والأصوات يوحيان زيادة على الوقع الهائل في تصور التفجير، وما يصاحبه من صخب وتموج

بعدم المعاناة في السقي، والإجهاد في الري، فالمياه متوفرة دائمة، والأنهار جارية، دون مشقة

أو عناء، فلا توجيه لمجاري المياه ولا انتظار لهطول الأمطار، فالتفجير حاصل متيقن،

وحاصله المياه الغزيرة من النهر الجاري.

وفي تعاضد بين التشكيل الصوتي من إدغام وحذف ومد وتصوير فني قام على الاستعارة

في قول تعالى:.إِنَّا جَعَلَْنا عََلى ُقُلوِب ِ همْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وفِي آذَانِ ِ همْ وقْرًا وإِن تَدْعُهُمْ إَِلى

الْهُدَى َفَلن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا. [57] ، يلاحظ علامة القراءة عند (وقرا) بأن الوصل أولى. حيث

الوقف يجعل كلمة وقرا مكونة من مقطعين. و ق/ر ا. ص ح ص/ ص ح ح/. أي ينتهي بمقطع

مفتوح فيكون المقطع الأول فيه ثقل والثاني يكون اخف، أما إذا لم يتم الوقف وتواصلت القراءة

فإن التنوين في آخر الكلمة يلفظ فيشكل لدينا المقطع الثاني مقفلا./ر ن/ ص ح ص/ وهذا فيه

تلاؤم مع المعنى وجعل وقرا في آذانهم ثق ً لا في المعنى وما يناسبه من ثقل في اللفظ.

أثر الحركة الإعرابية في التشكل الصوتي:

لقد تنبه علماء اللغة العربية قديما إلى الحركات الإعرابية وأثرها دلالة بربطها مع الأبواب

النحوية، وظهر الاهتمام بها صوتيا حديثا، فاللغة العربية لغة إعرابية؛ ولا بد لهذه السمة أن

يكون لها أثر ظاهر في التحليل والدراسة للنص الأدبي على المست وى الص وتي والمست وى

الدلالي،"فالحركات تمثل أول النفس" (1) ، ويبدو من خلال النص القرآني أن لها أثر ا واضح ا

وقيمة جمالية من خلال تتبعها كظاهرة أسلوبية في مواضع لافتة"فللإعراب وظيفة ص وتية"

وأخرى دلالية جمالية" (2) ، هذا بالإضافة إلى أن الحركة الإعرابية هي عماد في تحديد الدلالة"

الوظيفة النحوية التي يكتسبها الاسم من موقعه، وتكون العلامة دالة عليها،"والعلامة الإعرابية"

قرينة مهمة من القرائن التي تعين على تحديد المعنى الوظيفي للكلمة في الجملة وهذا غاية

.(التحليل النحوي"(3"

فإذا كان الدرس اللغوي العربي القديم في أغلبه كان منصبا على الحركة الإعر ابية

وتبريرها والعامل فيها، فإن الدرس اللغوي الحديث المعتمد على المنهج الوصفي، أخذ يدرس

.1) سلوم، تامر: نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، سورية: دار الحوار، ص 21)

.2) حاطوم، أحمد: الإعراب محاولة جديدة لإكتناه الظاهرة، ص 84)

.3) حامد، عبد السلام السيد: الشكل والدلالة دراسة نحوية للفظ والمعنى القاهرة: دار غريب، 2002، ص 61)

الحركة الإعرابية وعلاقتها بالنص من الناحية الصوتية والدلالية"مما يؤكد ارتباط الظ واهر"

.(الصوتية ارتباطا كاملا بالنحو؛ العلامات الإعرابية فهي دلالات صوتية"(1"

وقبل الخوض في غمار دراسة النص وتتبع ظاهرة الإعراب والحركة الإعرابية فيه، لابد

من الإشارة إلى آراء علماء اللغة في تحديد الدلالات الأصلية للحركا ت الإعرابية: الكسرة

والضمة والفتحة فالسكون التي تشكل حالة من حالات الإعراب أو البناء.

فالضمة مثلا في أغلب مواضعها تدل على التمكن في الكلمة التي تصاحبها وهذا يظهر في

المسند إليه غالبا الفاعل أو المبتدأ (2) . وتتسم الضمة بثقل مخرجها كما اتضح من خلال دراسة

الحركات المعيارية العربية. فترتفع مؤخرة اللسان عند النطق بها، مما يجعل المخرج معها فيه

تضيق يكون لذلك أثر على الصوت المرافق لها. ومن خلال متابعة الكلمات المضمومة يلاحظ

منها الميل إلى الثبات والتمكن والقوة بما يتناسب المعنى مع الحركة.

ودلالة الثبات في اختيار الرفع في قوله تعالى:.الحَمْدُ لِّلهِ. [1] . فالرفع أقوى من النصب

مع أن التعبير بالنصب جائز فنقول حمدًا لله (3) ، إلا أن اختيار الرفع ليعطي دلالة القوة والتمكن،

فمع النصب ينتقل التعبير من الجملة الاسمية إلى الجملة الفعلية، والفعل يدل على التغير وعدم

الثبات، والقصد هنا إثبات الحمد لله وليس انتقاله، فكان الرفع هو الأقرب للقصد والمعنى والأدق

في التعبير. وهذا يشكل ظاهرة أسلوبية معتمدة على الاختيار بين امكانات اللغة المتاحة.

أما الفتحة فحركة فيها خفة فيتسع المخرج الصوتي عند أدائها أكثر من غيرها من

الحركات، فلا تشكل معاناة في نطقها؛ فارتبطت مع الألفاظ التي ُتشعِر بالراحة، ومثل ذلك

(َنهَرَا) ، أو التي يودّ قائلها أن يشعرَ بالراحة بعد أن أصابه التعب، ومثل ذلك (َنصَبَا) .

.1) كشك، أحمد: من وظائف الصوت اللغوي محاولة لفهم صرفي ونحوي ودلالي، ط 1، ص 12)

.2) عمايرة، خليل: التحليل اللغوي، عمان: دار المنار، 1987، ص 56)

.3) ينظر، الزمخشري، محمود جار الله: الكشاف، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر، ج 2، ص 38)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت