الآيات السابقة من خلال ما ظهر فيها الحديث عن أعمال قام بها العبد الصالح ولكن موسى
(عليه السلام) لم يدرك سرها وما خفي منها، فكان يستغرب الحدث ويشكل ذلك له مفاجأة، فكان
يسرع في الاعتراض أو السؤال ليفهم حقيقة ما حدث، فيظهر من خلال السرعة عدم الصبر
وهنا كان جوهر القضية أيصبر على ما لا يعرف أم لا يستطيع صبرا، ولذلك شكل استع مال
هذه العبارة ظاهرة لافتة في عدة مواقع داخل السورة نتناولها - بإذن الله- في مجال آخر.
والنقاط المركزية في الأمثلة تتشكل في الكلمات (خرقها) ، (فقتله) ، (فأقامه) ، حيث كان التتابع
للمقاطع القصيرة بشكل لافت؛ فتجمعت عندها خمسة مقاطع في الأولى وأربعة مقاطع في الثانية
وثلاثة في الثالثة على التوالي إذ كان في هذه المواضع مركزية الحدث.
وللمفاجأة أثر واضح على النفس فتثيرها وتحرك فيها المشاعر المضطربة، فيكثر معها
المقاطع القصيرة السريعة، ويظهر ذلك في قوله تعالى:.وأُحِي َ ط بَِثمَرِهِ َفأَصْبَحَ يُقَلِّبُ َ كفَّيْهِ عََلى
مَا أَنَف َ ق فِيهَا. [42] ، في هذا المثال يتضح أكثر من جانب جمالي، يمكن أن نربط هذه الجوانب
مجتمعة. فالعبارة مكونة من ثمانية وعشرين مقطعًا صوتيًا، المق اطع القصيرة (17) مقطعًا
والطويلة (11) مقطعًا، أي بزيادة ملحوظة للمقاطع القصيرة السريعة، المقاطع القصيرة
بسرعتها تدل على حالة من التوتر النفسي والاضطراب والقلق والحسرة على ما خسر من
الثمر، تتمركز المقاطع القصيرة حول كلمة (ثمره) ، فتتابعت (5) مقاطع قصيرة معها، والثمر
وما حلّ به كان مركز العبارة وتعلق صاحبه به، فهو بؤرة الحدث النفسي ولذلك حصل
الانسجام بين البناء المقطعي والعنصر الأبرز في العبارة ممثلا في التعلق النفسي في كلمة
ثمره.
وتظهر نتائج الدراسة المعتمدة على المقاطع في المقارنة بين المتقابلات في المعاني،
ويظهر ذلك في قوله تعالى:.الْمَالُ والْبَُنونَ زِينَ ُ ة الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. [46] ، وقوله تعالى:.والْبَاقِيَا ُ ت
.[الصَّالِحَا ُ ت خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ َثوابًا وخَيْرٌ أَمَلًا. [46
فالمقابلة تضع أمام العقل طرفين: الطرف الأول الدنيا بزخرفها وتعلق الإنسان بها ونهايتها
المحزنة لأهلها. والطرف الثاني: العمل الصالح المؤدي إلى رضوان الله. فالتشكل المقطعي في
الطرف الأول مكون من خمسة عشر مقطعًا، وفي الطرف الثاني خمسة وعشر ون، مقطعً ا،
فالفرق بين الطرفين ملحوظ، وكذلك الزينة في الدنيا قليلة في مقابل جزيل النعم في الآخرة،
ويلاحظ التمركز في التشكل المقطعي في العبارة الثانية عند قوله تعالى: (عند ربك ثوابا) ، حيث
تتابعت المقاطع القصيرة لتشكل عنصر جذب وانتباه؛ إذ تشكل هذه النقطة مركزية المعادل
الموضوعي بين الطرفين فأساس المعيار (عند ربك) .
ومن التراكيب المتماثلة والمتكررة في السورة التي يبرز فيها أسلوب العد ول والاختيار
، [بشكل يدفع كل متأمل للتفكير في قوله تعالى:.سَأُنَبِّئُكَ ِبَتأْوي ِ ل مَا َلمْ َتسَْتطِع عََّليْهِ صَبْرًا. [78
وفي قوله تعالى:. َ ذلِكَ َتأْويلُ مَا َلمْ َتسْطِع عََّليْهِ صَبْرًا. [82] ، وفي قوله تعالى:.َفمَا اسْطَاعُوا
أَن يَظْهَرُوهُ ومَا اسَْت َ طاعُوا لَهُ َنقْبًا. [97] . من المعلوم أن الدراسة الأسلوبية تتابع ما يقوم عليه
النص من إجراءات الانزياح والمعيار والاختيار من ضمن البدائل المتاحة، فقد ذكر علماء اللغة
أن (تستطع، و تسطع) هي اختلاف لهجات، ولكن التحليل إلى المقاطع سوف يظهر سبب اختيار
كل صيغة في موقعها لتحقق الأسلوبية الأدبية الفنية.
من خلال التحليل لمقاطع المثال الأول: (ما لم تستطع/ عليه صبرا) ، (ما لم تسطع/ عليه صبرا)
(ب /) ، (/)
فحذف التاء أو بقاؤها لا يتعلق بعلة نحوية أو صرفية؛ ولذا لا بدَّ أن يكون هنالك سبب آخر
ليعدل عن الاستعمال الشائع إلى لغة قليلة الاستعمال. فالتشكل المقطعي في الآية الأولى أعطى
مع وجود التاء مقطعًا قصيرًا فيه ملمح الحركة التي تظهر جانبا من نفسية موسى (عليه السلام)
من أثر الرغبة في معرفة الحقيقة للأحداث التي حصلت ولم يعرف سرها.
أما بعد أن عرف السر وأخبره العبد الصالح الحقيقة، فاستقرت نفس موسى (عليه السلام)
وهدأت؛ ولذا تتابعت المقاطع الطويلة الهادئة، في توافق وانسجام بين النفس واللغة.
وتتكرر تقريبا الصيغة اللفظية نفسها في قوله تعالى:.َفمَا اسْطَا عوا أَن يَظْهَ روهُ ومَا
اسَْت َ طاعُوا لَهُ نَقْبًا. [97] . وقد ربط بعض الباحثين بين اللفظ والمعنى، وأن العبارة قامت على
التوازن بين اللفظ والمعنى، فالمعنى الصعب (النقب) أخذ اللفظ الطويل (استطاعوا) الذي زادت
حروفه، وكذا الحال بالنسبة للمعنى السهل (أن يظهروه) أخذ اللفظ السهل اسطاعوا، ومما يؤكد
ذلك التقطيع المقطعي: (فما اسطاعوا أن يظهروه/ وما استطاعوا له نقبا)
(ب…ب /ب ب ب)
فقد زادت المقاطع الطويلة ذات الطابع الهادئ المريح مع الصيغة الأولى لتناسب ط بيعة
المعنى، ومع الصيغة الثانية زادت المقاطع القصيرة ذات الطابع السريع وفيها ظلال من
الصعوبة، فتناغم المعنى مع التوزيع المقطعي.
أصوات المد واللين:
من اللافت للانتباه أصوات المد التي تراعى في تلاوة القرآن الكريم ومدة ذلك المد بحسب
المكون الصوتي أو ما يشكله التركيب (التشكل الصوتي) ، وأثر ذلك في المعنى ومساهمته في
توصيله للسامع. فظاهرة المد في القرآن كغيرها لا تخلو من أسرار معنوية وتصويرية فنية.
ويلاحظ مثل ذلك المد في قوله تعالى:.َفَقاُلوا رَبََّنا آتَِنا مِن لَّدُنكَ رَحْمَ ً ة وهَيِّئْ َلَنا مِنْ
أَمْ ِ رَنا رَشَدًا. [10] ، فقد اجتمعت عدة أصوات فيها المد في الكلمات(قالوا، ربنا، آتنا، هيئ، لنا،
أمرنا، رشدا)ثمانية أصوات من أصوات المد الواو والألف والياء، السياق في هذه الآية فيه
نداء ودعاء إلى الله؛ ولذا كانت الحاجة إلى مد الصوت وإطالته لما يقتضيه المعنى والمقام،
فيتناسب بذلك الصوت مع المعنى والسياق. ومن الظواهر الأسلوبية التي ظهرت في هذه الآية
الكريمة حذف أداة النداء علمًا أن الحذف ظاهرة أسلوبية سيتم نقاشها _إن شاء الله_ في الفصل
الثاني، إلا أنَّ الجانب الصوتي الذي تأتى من الحذف أدى إلى الإكثار من حروف المد التي
تحملها المنادي"لقد حذفت الأداة_أداة النداء _ فتحمل المنادي قيمتها بالضغط والمط"
.(والتطويل"(1"
.1) كشك، أحمد: من وظائف الصوت اللغوي محاولة لفهم صرفي ونحوي ودلالي، ص 104)
،[ويظهر أثر المد وعلاقته بالزمن في قوله تعالى:.وتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وهُمْ رُق ودٌ. [18
فصوت الواو في كلمة رقود مد عارض للسكون؛ لسكون الواو عند الوقف عليه، وهذا الصوت
أعطى ملمحا صوتيًا يدل على الأمد الذي طال في مكثهم على حالهم، هذا بالإضافة إلى الشعور
بطبيعة المكث وما فيه من تمكن وهدوء بعد الوقف عليه.
، [وفي تتابع الظواهر الصوتية المدية ما ورد في قوله تعالى:.أو يٌصبحَ ماؤها غورًا. [41
فصوت الغين الذي يدل على الاختفاء والغياب، متلوًا بصوت الواو يشير إلى عمق الغور للماء
فيكون جد عسير على طالبه. وهذا ما أراد العبد المؤمن لفت انتباه الكافر إليه، بعد أن أيقن منه
الكفر.
ويتكرر المد الصوتي في قوله تعالى:.مَّا َلهُم ِبهِ مِنْ عِلٍْ م ولا لآبَائِ ِ همْ َ كبُرَتْ َ كلِمَةً تَخْرُجُ
مِنْ أَفْواهِ ِ همْ إِن يَُقوُلونَ إلا كَذِبًا. [5] ، فقد أضاف ملمح المد الصوتي في (لا، لآبائهم) ، حيث
تتابعت حروف المد ست مرات، مما أعطى إحساسا بتأكيد المعنى والوصول إلى كل أجدادهم
الذين سبقوهم والذين كانوا على ملتهم في الكفر إضافة إلى ملمح التأكيد الذي تشع به الأصوات.
تستغرق أصوات المد زمنا طويلا في إخراجها؛ ولذا تأتي للدلالة على التكثير كما في قوله
تعالى:.و َ ك َ ذلِكَ بَعَثَْناهُمْ لِيََتسَاءُلوا بَيَْنهُمْ. [19] . فالحالة الغريبة_ بالنسبة لهم_ التي كانوا عليها
مع إحساسهم بقصر الوقت؛ مما جعلهم يكثرون من التساؤل فيما بينهم، فالفرق واضح بين أن
يسألوا وأن يتساءلوا، ليدل على كثرة ما أثار المشهد من استغراب.
وتقترن حروف المد في الغالب مع أسلوب النداء؛ إذ يحتاج النداء إلى مد الصوت ليتحقق
الأسماع والتوصيل للمعنى، سواء كان ذلك لمناسبة حال السامع أو المتكلم، وتظهر هذه الصورة
جلية في قوله تعالى:.إِذْ أَوى الْفِتْيَ ُ ة إَِلى الْ َ كهْفِ َفَقاُلوا رَبََّنا آتَِنا مِن لَّدُنكَ رَحْمَ ً ة وهَيِّئْ َلَنا مِنْ
أَمْ ِ رَنا رَشَدًا. [10] ، أسلوب النداء في هذه الآية تتمثل فيه ظاهرة حذف أداة النداء، وهذا يدل
على قرب نفسي يشعر به الفتية مع الله،"وكثر ذلك في نداء الرب سبحانه وتعالى، وحكمة ذلك"
دلالته على التعظيم والتنزيه والثناء الحسن الجميل، فيزول معنى الأمر _من النداء_ويتمحض
التعظيم والإجلال ويحمل معنى الدعاء" (1) ، ويتبع النداء فعلان للطلب، فيلاحظ تتابع حروف المد"
في أسلوب النداء مع الطلب الأول، (ربنا آتنا من لدنك رحمة) ، فحروف المد جاءت في سياق
طلب الرحمة، وأرادوا أن تكون رحمة واسعة ممتدة؛ فأطالوا معها الصوت، أما الرشد وسداد
الرأي فهو مطلوب الوصول إليه بأسرع وقت ممكن؛ ولذلك جاءت الهمزة في (وهيئ) لتقطع
الصوت ويصل إلى المطلوب بسرعة؛ فكانت الاستجابة مباشرة حسب الطلب فقال الله لهم:
.[.يَن ُ شرْ َل ُ كمْ رَبُّ ُ كم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ َل ُ كم مِّنْ أَمْ ِ ر ُ كم مِّرْفَقًا. [16
وأما أصوات المد مع النداء في قوله تعالى:.ويَ ومَ يَُق ولُ نَا دوا ُ شرَكَائِيَ الَّذِينَ
زَعَمُْتم. [52] ، فيلمح النداء ويفهم من الفعل نادوا، ومن المنادى عليه (شركائي) ، فتكررت
حروف المد أربع مرات؛ مما يضفي على التركيب ملمحًا صوتيا منسجمًا مع الحال والمقال،
من مد للصوت ليكون أكثر إسماعا، فطبيعة المنادى هنا مما لا يعقل ولا يجيب النداء؛ لذا فإن
النداء ومد الصوت يعطي الفرصة الكافية للمنادي والسامع للتفكير قبل المضي في العبارة،
فيعتبر لذلك من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وتأتي أصوات المد داعمة للتصوير الفني حيث تظهر عمقًا لا ينكر معه ا ذلك الأثر،
ويلاحظ مثل ذلك في قوله تعالى:.َفضَرَبَْنا عََلى آذَانِ ِ همْ فِي الْ َ كهْفِ سِنِينَ عَدَدًا. [11] ، اشتملت
الآية على ستة أصوات فيها سمة المد، ومن المعلوم أن المدة الزمنية التي استغرقها النوم للفتية
قد وصلت إلى مئات السنين، وهذا المكث اقتضى إطالة أثر الفعل (فضربنا) ، ليتبع بعد ذلك
بأربعة أصوات مدية، فيشكل ذلك انسجاما بين الصوت مع المعنى والهيئة التي كان عليها الفتية
المؤمنون.
فدلالة المد تتجلى صوتيا في استمرارية ظاهرة وتتابعها؛ لتوافق المعنى وتسهم في
التصوير، وتلفت الأذهان بما تمنح من وقت زمني للتأمل والتفكير مع تكون المعنى وتحرك
الصورة.
، 1) مصطفى، محمود السيد: الإعجاز اللغوي في القصة القرآنية، ط 1، الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 1981)
.ص 329