الظواهر الأسلوبية:
كثيرا ما يلفت انتباه القارئ تغيير في الأساليب التي يشتمل عليها النص الأدبي، وهذا
الانتقال من الأسلوب الخبري إلى الإنشائي، أو الاختيار من بين أساليب متقاربة أ و متباينة،
كالتقديم والتأخير، والذكر والحذف، والإفراد والجمع والتثنية، وحتى الحركة الإعرابية؛ مرد ذلك
كله لأمور متعددة سوف يظهر كل منها في التحليل كل في موقعه، ولكن يلزم هذا التح ول
الإجرائي مناسبة"وإنما المناسبة أن الإنسان كثير التقلب فإنه يكون غائبا فيحضر بكلمة واحدة"
وآخر يكون حاضرا فيغيب" (1) ، والتحليل الأدبي لا بد أن يراعي ذلك فبه يمكن أن يكشف عن"
المعاني الثانية العميقة في النص؛ لأن لها صلة في الأغلب وثيقة بالإحساس فهي نابعة من بعيد
من أعمق الأعماق في النفس المتأملة، وفي المبحث القرآني تشاهد كل ذلك وتحسه.
لكل اتجاه من اتجاهات التحليل الأدبي أو مذهب نقدي أدبي أدواته وآلياته منطلقاته التي
ينتظمها في التحليل والدراسة والكشف الإبداعي، وينطلق منها في الحكم على الأعمال الأدبية
والدخول إليها عبر مفاتيح ومعايير يرتكز عليها، تشكل في مجموعها و فيما بينها المنهج الذي
يتسم بالعلمية التي لا ينقصها الذوق والفطرة السليمة للوصل إلى نتائج نقدية كاشفة و مبررة
وضمن منهج معين.
والمنهج الأسلوبي أحد المناهج النقدية، يتسم بطاقات نافذة في اختيار النصوص الأدبية التي
ترقى إلى مستوى الدراسة والتناول والتحليل. فبالإضافة إلى أن الدراسة الأسل وبية تفيد من
مخرجات العلوم اللغوية المختلفة والمستحدثة وتستثمرها في الدراسة، وخاصة أن الأسل وبية
متجددة وتواكب روح العصر ومعطياته، فهي تركز على تلك الظواهر اللغوية التي تتكرر ومدى
أثر هذا التكرار الأسلوبي لما يشكل تكرارها مظهرًا أو مثيرًا أسلوبيا يكشف أعماق التجربة
الإنسانية والبعد الفني في النص الأدبي، فيبرز جوانب ويؤكد عليها ويشعر المبدع والمتلقي
بمتعة منبعها، والتكرار وما يترتب عليه من آثار. وفي الدراسة الأسلوبية يكون النص الأدبي
بلغته وأساليبه المحور الأول والرئيس للدراسة الأدبية، مع إمكانية متاحة للإفادة من سياق الحال
.1) عامر، فتحي احمد: المعاني الثانية في الأسلوب القرآني، ص 347)
والظلال الأخرى التي تنعكس على النص كالبيئة العامة وخصوصية المتلقي في بعض
النصوص.
ومن أهم تلك الظواهر الأسلوبية التي يمكن من خلال دراستها أن تتم عمليات الكشف
الجمالي والنقدي ظاهرة التقديم والتأخير، وظاهرة التعريف والتنكير، والحذف والذكر، الإفراد
والجمع، والاستفهام، والاستثناء، والالتفات، والمفاجأة، وتكرار بعض الصيغ اللغوية، كما أن
لبعض الأنواع الأدبية خصوصية في تجليات بعض الظواهر الشكلانية كنمط التدرج في الرسم
والكتابة للشعر الحر مثلا.
وسنرصد في هذا الفصل_ بإذن الله _ الظواهر الأسلوبية ونكشف تجلياتها في إطار السياق
ولتتم بذلك عملية النمو في الدراسة حيث بدأت في الجزئيات الأولية للنص في الفصل الأ ول
وتتكامل في الفصل الثالث ليكون هذا الفصل (الثاني) وصلا وواسطة العقد.
التكرار:
تعنى الدراسة الأسلوبية بداية برصد الظواهر الأسلوبية المتكررة داخل النص الأدبي، بحيث
يمكن أن تشكل ظاهرة أو مثيرا أسلوبيا نابعا من هذا التكرار"فيكون التكرير منبعثًا عن المثير"
النفسي مفضيا إلى نفس المخاطب بأثره، والتكرير الحاصل نتيجة له وقعه، إذ يدق اللفظ بعدما
يتكرر أبواب القلب موحيا بالاهتمام الخاص بمدلوله، فيشعل شعور المخاطب إن كان خافتا،
ويوقظ عاطفته إن كانت غافية" (1) ،"فالتكرار يسلط الضوء على نقطة حساسة في العبارة ويكشف
عن اهتمام المتكلم بها، وهو، بهذا المعنى ذو دلالة نفسية قيمة تفيد الناقد الأدبي الذي يدرس
الأثر ويحلل نفسية كاتبه" (2) ، على أن لا يكون من باب التشبع الأسلوبي، الذي لا يغني في"
الدراسة الأسلوبية في الكشف ولا يتمركز نحو القمم الأسلوبية، فتحاول هذه الدراسة ومن خلال
متابعة الأنماط اللغوية والظواهر الأسلوبية المتكررة أن تكشف عن أدبية النص وص وتجلياتها
الفنية والنشاط المتبادل بين عناصر العمل الأدبي، فتلك أداتها الفاعلة النابضة بالحياة."فعلم"
.1) السيد، عز الدين علي: التكرير بين المثير والتأثير، القاهرة: دار الطباعة المحمدية، 1398 ه- 1978 م، ص 212)
.2) الملائكة، نازك: قضايا الشعر المعاصر، بيروت، منشورات دار الآداب، 1962، ص 240)
الأسلوب هو دراسة للإبداع الأدبي وتصنيف للظواهر الناجمة عنه، وتتبع للملامح المنبثقة
.(منه"(1"
البحث عن الظواهر الأسلوبية المتكررة ومقدار هذا التكرار ربما يحتاج فيه الباحث في
الغالب إلى أنماط رياضية وإحصائية معينة، فتصبح لغة الأرقام أمرا معتادا في الدراسات
الأسلوبية المعاصرة"وفي مقابل الإجراءات التقليدية التي تعتمد على التذ وق الشخصي في"
وصف الأسلوب تقوم الاتجاهات الحديثة على الوصف الموضوعي والقياس الكمي الذي يستخدم
إجراءات التحليل الإحصائي والرياضي" (2) . إلا أن الباحثين تنبهوا إلى خطورة الإفراط في العمل"
الإحصائي وجمع البيانات وتبويبها من داخل النص، وأن يقتصر دور الباحث الأسلوبي على هذا
المرتكز الأولي في البحث. يقول الدكتور خليل عودة"وما نحذر منه إساءة استخدام هذا المنهج"
في التعامل مع النصوص الأدبية، بحيث نعود من جديد إلى الجمود الذي ساد الدراسات البلاغية
.(إلى عملية إحصائية عقيمة لظواهر معينة في النص بعيدًا عن عمقها الفني ودلالاتها المميزة"(3"
فعملية الرصد للتكرارات الأسلوبية المعتمدة على النص اللغوي هي البداية وليست النهاية.
فمنها ينطلق الباحث في عملية تفكيك النص إلى جزئياته في أبسط صورها وإعادة الربط إلى
التشكل النهائي للعمل الأدبي. فتسهم البيانات التكرارية سواء الأفقية الشكلانية أم العم ودية
المرتبطة بالمعنى في عمليتي التفكيك وإعادة البناء، وذلك لقدرتها على الربط اللفظي والأسلوبي
وعلاقة كل ذلك بالمضمون.
وهذا الفصل يبحث عن مظاهر التكرار الأسلوبي والكشف في آثارها، إذ تم في الفصل
الأول الحديث عن مظاهر التكرار اللغوية بأبعادها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية.
.1) فضل، صلاح: بلاغة الخطاب وعلم النص، ط 1، بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 1996، ص 213)
.2) فضل، صلاح: علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته، القاهرة: مؤسسة مختار للنشر والتوزيع، ص 224)
.1994، ص 104/ 3) عودة، خليل: المنهج الأسلوبي في دراسة النص،/مجلة النجاح للأبحاث / مج 2/ عدد 8)
وللتكرار أسبابه وغاياته، فقد يكون من باب التأكيد اللفظي في كثير من الأحيان إلا أنه في
القرآن الكريم"قد يجيء على صورة غير مألوفة فيبدو واضحا أن لهذا التكرار مقصدا آخر غير"
التوكيد" (1) . فقد يكون مبرزا للبعد النفسي معينا على الكشف في خباياه وأسراره."
تتوزع الظواهر الأسلوبية على جانبين:
-1 الجانب الشكلي وعلاقة الأساليب بالربط الموضوعي والشكلي وعملية حسن التخلص
والانتقال وتحقيق الإيقاع، فيحدث تكرار معين يلتزمه النص الأدبي ربطا بنيويا يظهر في مراكز
معينة تستدعي استحضار المماثل له والبناء عليه، وخاصة إذا ابتعدت المسافات وطالت
العبارات، فيمنع التشتت ويظهر عناصر الوحدة. إن ما في النص من تكرار"يعين على استمرار"
الوحدة التنغيمية ويحقق التوازي في العلاقات الوثيقة بين البنى التنغيمية والتركيبية والإيقاعية
.(وفي التطابق بين السمات الأسلوبية"(2"
-2 الجانب المعنوي وعنصر الربط بالتوقع والمفاجأة. إذا كان الجانب البنيوي الشكلي قد
أفاد من التكرار فإن الجانب المعنوي والموضعي ليس بأقل استفادة من تلك الظ واهر، إذ قد
ترتبط عناصر الإثارة والدهشة والمفاجأة بما يشكله أسلوب التكرار. ونبين من تلك المواقع من
خلال النص.
من مظاهر التكرار اللفظي:
لقد لوحظ تكرار كلمة (إذ) في قصة أهل الكهف فظهرت في المواطن التالية:
قال تعالى:.إِذْ أَوَى الْفِتْيَ ُ ة إَِلى الْ َ كهْفِ َفَقاُلوا رَبََّنا آتَِنا مِن لَّدُنكَ رَحْمَ ً ة. [10] ، وفي قوله
تعالى:.وَرَبَطَْنا عََلى ُقُلوِب ِ همْ إِذْ َقامُوا َفَقاُلوا رَبَُّنا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْ ِ ض. [14] . وتكررت في
قوله تعالى:.وَإِذِ اعَْتزَلُْتمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ. [16] وقوله تعالى:.إذ يتنازع ون بينهم
أمرهم. [21] . في البداية ارتبط لفظ (إذ) مع الحدث الأول في القصة لحظة(إذ أوى الفتية إلى
.3)مصطفى، محمود السيد: الإعجاز اللغوي في القصة القرآنية، ط 1، الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة 1981)
.ص 114
.2) لوتمان، يوري: تحليل النص الشعري، ترجمة محمد فتوح، القاهرة: دار المعارف، 1995، ص 64)
الكهف)، وتوالت الأحداث في سرد القصة فكان كل عمل أساس يقتضي حركة معينة من الفتية
تلازم ظهور (إذ) ، فالحركات بعد أن أووا إلى الكهف، (إذ) قاموا فقال وا، و (إذ) اعتزلتم وهم،
ويبدأ بعد ذلك عرض القصة بالتفصيل حتى تكتمل القصة بعد أن عثر عليهم القوم. فظهرت في
خاتمة القصة (( إذ) يتنازعون أمرهم).
يلاحظ على التكرار هنا أنه يشكل عنصر بناء وربط، فيلازم السرد وهذا مظهر في بنائية
الأحداث، وعنصر ربط بين أول الأحداث ونهايتها، فتظهر القصة لوحة واحدة منتظمة الأطراف
والأجزاء، مما بشعر المتلقي بوحدة الموضوع التي يشعر معها بالمتعة والتركيز وعدم التشويش
الذهني.
وتظهر قصة جديدة في المثل الذي فيه قصة إبليس مع آدم وأول ما تبدأ به (وإذ) لتشكل في
نفس السامع إحساسا بتكون قصة جديدة، قال تعالى:.وَإِذْ ُقلَْنا لِلْمََلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ
.[َفسَجَدُوا. [50
وفي قصة الرجلين تظهر (إذ) في مركز الأحداث عند قوله تعالى:.وََلوْلا إِذْ دَ َ خلْ َ ت جَنَّتَكَ
ُقلْ َ ت مَا َ شاء اللَّهُ. [39] ، لتشكل عنصر لفت انتباه إلى مغزى القصة وهو التذكير بقدرة الله،
وربط النعم بمشيئة الله.
ولم يقف الأمر عند حد القصة الواحدة بل عاد اللفظ (إذ) ليشكل بداية جديدة لقصة سيدنا
موسى (عليه السلام) ، قال تعالى:.وَإِذْ َقالَ مُوسَى لِفَتَاهُ. [60] ، فتدخل أحداث القصة حتى تصل
إلى معلم بارز وحدث مهم، كان موسى عليه السلام في لهفة وتشوق له فظهرت (إذ) .َقالَ أَرَأَيْ َ ت
إِذْ أَوَيَْنا إَِلى الصَّخْرَةِ َفإِنِّي نَسِي ُ ت الْحُو َ ت. [63] ، فارتبطت مع الحدث الذي شكل نقطة مركزية
في القصة.
ومع الانتقال إلى الأحداث في القصة الجديدة (موسى عليه السلام مع العبد الصالح) وفي
تنوع في الربط الداخلي، فتظهر لنا قصة جديدة. فظهرت العبارات المتكررة، (فانطلقا حتى إذا)
في مراحل الحركة الرئيسة، قال تعالى:.َفان َ طَلَقا حَتَّى إِ َ ذا رَكِبَا فِي السَّفِيَنةِ َ خرََقهَا. [71] ، وفي