القصيرة تظهر وبشكل مركز. (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا) ، فكان التشكل المقطعي / ب ب ب
ب ب…ب ب ب / بحيث تمركزت المقاطع حول كلمة (بعثناهم) ، وهي محور رئيس
في العبارة وفي السورة، ففكرة البعث من أهم القضايا التي اهتم القرآن الكريم بإثباتها في البيئة
المكية (السور المكية) ، والتي منها سورة الكهف؛ ولذا جاء التشكيل المقطعي مساعدًا في إبراز
الفكرة الرئيسة. أدت قضية البعث، مركز العبارة، إلى استغراب أصحاب الكهف من هيئتهم مما
جعلهم يتساءلون ويكثرون من السؤال. وكلمة (بعثناهم) يتعلق بها ويوضحها ما بعدها، فتشكل
لغيرها مفتاح الكلام بين الفتية، ولموقعها وَتمَر ُ ك ِ ز التشكيل المقطعي حوله، يحدث عنصر لفت
انتباه وانسجام بين الشكل والمعنى. وفي القسم الثاني من الآية(فَابْعَُثوا أَحَدَ ُ كم ِبو ِ رقِ ُ كمْ هَذِهِ إَِلى
،[الْمَدِيَنةِ َفلْيَن ُ ظرْ أَيُّهَا أَزْ َ كى َ طعَامًا َفلْيَأْتِ ُ كم ِب ِ رزْقٍ مِّنْهُ ولْيََتَلطَّفْ* ولا يُشْعِرَنَّ ِب ُ كمْ أَحَدًا)[19
تتجّلى أبعاد نفسية يظهرها التشكل المقطعي أو يساعد في إظهارها وخاصة عند الكلمات،
(أحدكم، بورقكم، أيها أزكى طعاما) . فأصحاب الكهف كانوا في حالة من التيقظ المستمر حتى لا
يُكشف سرهم؛ ولذا كان من حرصهم أنهم يبعثون برجل واحد، وذلك أدنى أن يكشف أمرهم؛
ولحذرهم هذا كانت الظاهرة الصوتية متمثلة في تمركز المقاطع القصيرة عند كلمة (أحدكم) (ب
ب ب)، توجه الانتباه إلى هذه الكلمة (أحدكم) .
ومن المواقف التي تكشف أبعادها دراسة المقاطع، عندما اعتزل الفتية في الكهف وترك وا
ملذات الحياة وزخرفها، فكانت نفوسهم غير متعلقة بالمال، ويظهر ذلك من طلبهم بإنفاق الم ال
دون تمهل أو انتظار أو حرص عليه؛ ولذا كانت المقاطع عند كلمة (بورقكم) (ب ب ب ب) ،
فتتابعت أربعة مقاطع قصيرة سريعة. ليدل ذلك على بعد نفسي لدى الفتية بعدم تعلقهم بالمادية.
وعلى العكس من ذلك كان الأمر في (فلينظر أيها أزكى طعاما) فالتشكل المقطعي(
ب…ب)، فيلاحظ التتابع الكثيف للمقاطع الطويلة الهادئة والإيقاع المتنامي ليتشكل
(طعاما) فاصلة داخلية تتواءم مع الفاصلة الختامية للآية. ومن جانب آخر تكشف الظاهرة
الصوتية البعد النفسي الهادئ في طلب الطعام الذي تعودوا عليه في نومهم وهو الطعام الروحي
.(ولذلك فهو أزكى طعاما(1
.1331 ه، ص 113، 1)البروسي، إسماعيل: تفسير روح البيان، ج 5)
وفي الآية نلاحظ تكرار فعل الطلب مع بداية كل عبارة ولا يسمى الفعل هنا أمرا؛ لأن
الخطاب بين الفتية أنفسهم، فأقرب ما يكون التماسًا حرصًا على أخيهم الذي أرسل وه لقضاء
حوائجهم. وهذا التتابع لصيغ الأفعال يشكل ظاهرة أسلوبية تتجلى في هذا المقام. أما المتمعن
في الفعل (وليتلطف) ناطقا له أو سامعا فإنه لاشك يريد أن يعود ليقرأ الآية فيمر مرة أخرى
على هذه الكلمة، ليكشف سرها أهو في أصواتها، أم في موقعها أم في المعنى أم لأنها تتوسط
ألفاظ القرآن الكريم عامة؟؛ فقد اشتملت على حروف أكثرها من المهموس، والهمس فيه خفة
والخفة هي المطلب في هذا المقام، أما دلالة الكلمة فهو طلب بأسلوب رقيق لطيف يتمثل في
النفس المؤمنة وهذا الطلب مرتكز من أهم مرتكزات الدعوة الإسلامية،"التلطف في الدع وة،"
، (والتلطف في قضاء الحوائج، والتلطف في الأمر التوقف في أوله حتى يطلع على أسراره"(1"
وقد جاءت مسبوقة بظاهرة أسلوبية مماثلة لها، وذلك بتكرار صيغة الطلب(فلينظر، فليأتكم،
وليتلطف)ولذا فإن الظواهر الأسلوبية تتمركز في أكثر الأحيان في محور قد يط ول أحيانا
ليصل إلى نقطة مركزية تشكل للدراسة هدفا موضوعيا. فقد كانت العبارات الأولى تشمل على
مقاطع متنوعة وحروف مدٍ، في التساؤل (قال قائل) ، وفي الإجابة (قال وا لبثنا) ، أما في
(وليتلطف) ، فالمقاطع بين المقطع القصير والمقطع الطويل لما في المقطع القصير من سرعة
إنجاز والمقطع المغلق وما فيه من ضبط للحركة.
ويتجلى التوزيع المقطعي في نظم متعادل في قوله تعالى:.وُق ِ ل الْحَقُّ مِن رَّبِّ ُ كمْ َفمَن َ شاء
َفلْيُؤْمِن ومَن َ شاء َفلْيَكُْفرْ إِنَّا أَعَْتدَْنا لِلظَّالِمِينَ َنارًا أَحَا َ ط ِب ِ همْ سُرَادُِقهَا وإِن يَسَْتغِيُثوا يُ َ غاُثوا ِبمَاء
َ كالْمُهْ ِ ل يَشْوي الْوجُوهَ ِبئْسَ الشَّرَابُ وسَاءتْ مُرْتَفَقًا. [29] . من المتوقع أن يكون في النص
الأدبي تنوعا في الأساليب وقد يمتد الأسلوب أو يتمركز في بعض جوانبه، وقد يزخر النص
بالأساليب فهذا ما يسمى بالانصباب الأسلوبي. وما كانت هذه الظاهرة في نص أدبي إلا زانته
وعمقت إدراكه وزاد التأمل فيه، وفي هذه الآية تجمع أكثر من أسلوب نلمس أثارها متفرقة
ومجتمعة، فالمقاطع التي يتشكل منها النص قال تعالى:.َفمَن َ شاء َفلْيُؤْمِن ومَن َ شاء
َفلْيَكُْفرْ. [29] ، فالتقابل المقطعي عددا ونوعا بين المعنيين المتقابلين مع إظهار المقاطع
.1998، ص 196، 1) الزمخشري، محمود جار الله: أساس البلاغة. تحقيق فريد نعيم وشوقي المعري، ط 1)