المقاطع:
تتعدد مظاهر التشكل الصوتي في العمل الأدبي، ومنها المقاطع التي تتكون منها الكلمة
بداية، ومن ثم التركيب في أحواله المختلفة؛ فإن لكل تركيب معاني يحملها، وسياقات تحمل في
طياتها مشاعر ونفسيات متحركة في مواقف، وثابتة في أخرى، ولكل من هذه الحالات أثر على
طبيعة تشكل المقاطع؛ فالمقاطع المتتابعة يظهر فيها ملامح صوتية قد لا تظهر في الكلمة
المفردة، أو الصوت المفرد. فدراسة المقاطع بذلك تشكل بابا متصلا ومكملا في الدراسة
الصوتية وسوف نلحظ في النماذج المختارة أثر الدراسة الصوتية الأسلوبية للمقاطع، فيظهر
أثرها عند تكرار الظاهرة المتشكلة من أنماط مقطعية متكررة، ومتابعة تلك الظواهر وتحليلها.
إن لدراسة المقاطع أثرا متميزا في الدراسات الأدبية الحديثة التي تعتمد في تناولها إمكانات
اللغة المختلفة، وهذا جانب يمتاز بالحداثة، وأكثر ما يصلح في التعامل مع النص القرآني
والشعر،"إن دراسة الأنظمة المقطعية يعد بحق، من المباحث المجددة في ج وانب الدرس"
اللساني الحديث، وأنها تقدم خدمات جليلة لتفسير الظواهر اللغوية في ميادين متعددة؛ البنى
الصرفية والصوتية والأسلوبية مما يوجه الدلالة ويصحح الكثير من أنظمة اللغة والعلل
.(النحوية"(1"
وقبل البدء بدراسة النماذج لابد من تعريف محدد لمفهوم المقاطع؛ ليسهل فهم الاصطلاحات
والرموز المتعلقة بالمقاطع.
فالمقطع ظاهرة صوتية له غير تعريف، إلا أن أشهر ما اتفق عليه، وما يمكن أن يخدم
الدرس الصوتي البلاغي"أنه تتابع من الأصوات الكلامية له حد أعلى أو قمة إسماع طبيعية تقع"
بين حدين أدنيين من الإسماع" (2) . وعرَّفه الدكتور إبراهيم أنيس بأنه"عبارة عن حركة قصيرة
-1988، ص 49 - 1) عبد الجليل، عبد القادر: هندسة المقاطع الصوتية، ط 1، عمان: دار الصفاء للنشر والتوزيع، 1418)
.1976، ص 24، 2) عمر، أحمد مختار: دراسة الصوت اللغوي، ط 1)
أو طويلة مكتنفة بصوت أو أكثر من الأصوات الساكنة" (1) . على أنه يجب أن نضع في حسابنا"
أنه لا يمكن وضع حد محسوس للمقطع الصوتي دائما؛"لأن الكلام الإنساني في كثير من"
.(الأحيان متداخل الأجزاء"(2"
ولهذا التعريف دون سواه ما يميزه؛ ذلك أنه يوضح ملمح النبر بشكل أفضل، وبالتالي يكون
له أثر في تحديد الإيقاع الموسيقي المتكون من العبارة وتتابع مقاطعها، على أن في التعريف
الآخر ما يفيد الدراسات الصرفية، وفهم بنية الكلمة والتغيير الذي قد يلحقه في الصيغ المختلفة.
التنوع بين المقاطع قصيرة ومتوسطة له دلالته على المعنى كالشعر. فهذا التنوع يتشكل من
خلاله إيقاع متناغم، وذلك من خلال تغير مواقع النبر الأولي والثانوي والارتكاز إن كان شعرا.
فمن خلال عرض لنماذج من الآيات في سورة الكهف تتماثل في إيقاعها مع الشعر، إلا أنّ
القران الكريم في طبيعة ترتيله الخاصة جعلت له إيقاعا خاصًا بل ومتميزً ا،"فمع الإيقاع"
الموسيقي لا يحدث في النفس الملل ولذلك يكون ما في اللغة إيقاعا والذي في القرآن إيقاع
متوازن لا موزون كالشعر" (3) . وقد يتماثل الإيقاع المقطعي بين النص القرآني وما في الشعر،"
ولكن طبيعة الإنشاد في الشعر تجعل الإيقاع مختلفًا عن الترتيل والتلاوة في القرآن الكريم.
فمن الآيات التي جاءت على ما يماثل وزن البحر الطويل مثلا:
.[.يحلو/ ن فيها من/ أساو/ر من ذهب. [31
فعولن/مفاعيلن/ فعول/ مفاعلن.
قال تعالى:.فمن شا/ء فليؤمن/ ومن شا/ء فليكفر.].
فعولن/ مفاعيلن/ فعولن/ مفاعيلن
1)أنيس، إبراهيم: موسيقى الشعر، ص 147)
.2) عبابنة، يحيى: دراسات في فقه اللغة والفنولوجيا العربية، عمان: دار الشروق، 2000، ص، 15)
.3) أنيس، إبراهيم: موسيقى الشعر، ص 270)
.[وما جاء على وزن المتقارب: قال تعالى:.وإن يس/تغيثوا/ يغاثوا/ بماءٍ /. [29
.(فعولن /فعولن/فعولن /فعولن (1
والجمال في الأسلوب القرآني أن تناسق المقاطع فيه"يصلح أن يضمن في شعر شاعر،"
فمن جمال الأسلوب القرآني أن وقع فيه ذلك القدر العظيم من آيات موزونة موسيقية تطمئن
إليها الأسماع وتنفذ إلى القلوب" (2) . ومن خلال العرض لنماذج من البنى المقطعية من س ورة"
الكهف نقوم بالكشف عن طبيعة المقاطع وإجراء عملية إحصائية لتنوعاتها، وعلاقة التشكل
المقطعي بالدلالات المتنوعة والسياق، والكشف عن البعد النفسي لدى المتكلم والتأثير في
المتلقي.
يتأثر التشكل المقطعي بظواهر متعددة منها الحذف والزيادة والتقديم والتأخير. فالحذف إن
كان كلمة أو حرفا فله تأثير ودلالات فهو من جانب عنصر تخفيف من حيث اللفظ، وعنصر
تحريك النبر داخل الكلمة فيؤثر على وجود النبر الثانوي؛ فيؤدي إلى حركة انزياحية تك ون
لغرض إيقاعي حينًا أو لبعد معنوي ونفسي حينًا آخر.
يظهر التشكل المقطعي الذي يكشف عن حالة نفسية في قوله تعالى:
.إِن ُترَ ِ ن أََنا أََقلَّ مِنكَ مَا ً لا وولَدًا. [39] . فتتشكل العبارة من المقاطع:
(إن / َ ت / رَ / ِ ن / أ /نا / أ / قل /لُ / من / ك / ما / ً لا / و /و / لَ /دا /)
وإذ تتوزع المقاطع بين قصير ومتوسط: المقاطع القصيرة (10) ،والمقاطع المتوسطة (7) ، أي
بزيادة واضحة ولافتة للمقاطع القصيرة. والمقاطع القصيرة تتسم بالسرعة في الأداء من جانب،
وتدل على نفسية قلقة وحالة اضطراب وسرعة في الحركة من جانب آخر. ويظهر ذلك في هذا
المقام، حيث كان الرجل المؤمن بداية بعد أن سمع كلاما من المنكر لفضل الله الكافر لنعمه
عليه، أراد أن يرد عليه بقوة الرجل المؤمن القوي بالله- فالمؤمن لا يتوانى أمام حركة الكافر-
.271 - 1) المرجع السابق، ص، 270)
.2) نفسه، ص 329)
َفيُحَذِّرَهُ ليردعَه عن كفره، طالبًا من الله أن يعطيه خيرًا مما أعطى ذلك الكافر، لعل يكون بذلك
رادعا لكفره.
وفي مقابل الرجل الكافر موقف الرجل الصالح في دعائه وتأدبه في الطلب حيث ظهر في
قوله تعالى:.َفعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَ ِ ن خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عََليْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَُتصِْبحَ
صَعِيدًا زََلقًا. [40] ، تظهر في الآية الكريمة سمات أسلوبية متنوعة، تكون في انسجامها شكلا
من أشكال الوحدة، نتناول هذه السمات والظواهر بشكل منفصل ونعيد ترتيبها مرة أخرى. فمن
الجانب الصوتي وقد تمت دراسته من حيث طبيعة الأصوات المكونة فتتمركز في نهاية الآية
(صعيدًا زلقا) .
ويكشف التشكل المقطعي عن حالة المتكلم الهادئة والمطمئنة لقضاء الله والأمل به، فيظهر
.[أثر ذلك في قوله تعالى:.َفعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَ ِ ن خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ. [40
يلاحظ: نشير إلى الصوت الصامت ب (ص) ، والحركة ب (ح) .
(ف /ع /سى /رب /بي /أن /يؤ /تِ /يَ / ِ ن)
ص ح/ص ح/ص ح ح/ص ح ص/ص ح ص/ص ح ص/ص ح ص/ص ح/ص ح/
ص ح
خي /رن /من /جن /نَ /تِ /كَ)
ص ح ح / ص ح ص / ص ح ص / ص ح ص /ص ح /ص ح /ص ح /
فنبرة الرجاء والدعاء إلى الله أحدثت التشكل المقطعي الهادئ، فنجد العبارة تتشكل من
17)مقطعًا، المقاطع القصيرة (8) مقاطع، والمقاطع المتوسطة (9) ، أي بتوازن تقريبا يميل)
إلى الهدوء أكثر، ولولا أنّ ظاهرة الحذف عادت لتتكرر مرة أخرى مع ياء المتكلم مع الفعل
لكان للمقاطع المتوسطة ظهور أبرز. إذ يتكرر حذف ياء المتكلم في مواضعَ متماثلة؛ لتشكل
فيما بينها ظاهرة لافتة سنتحدث الحديث عنها في الفصل الثاني من باب الحذف.
ويستمر التشكل المقطعي مع الآية في قوله تعالى:.ويُرْسِلَ عََليْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّ مَاءِ
(َفُتصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا. [40] . فتشكلت العبارة من(25) مقطعًا، المقاط ع القصيرة فيها (13
مقطعا، والمقاطع المتوسطة (12) مقطعا. أي بزيادة نسبة المقاطع القصيرة، وتتمركز المقاطع
القصيرة عند قوله تعالى:.َفُتصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا.، فأراد المتكلم (الرجل المؤمن) مع هذا الضغط
والقوة الصوتية المتأتية من طبيعة الأصوات أن يزيد بانفعاله حركة وقوة، و نلاحظ أيضً ا أن
المقاطع التي ارتبطت بما عند الله (فعسى ربي) ، و (حسبانًا من السماء) كانت تشكل ظاهرة
المقاطع الطويلة. وما كان مرتبطا بالسفلي (يؤتي ِ ن، جنتك، فتصبح صعيدا زلقا) ، كانت تتشكل
ظاهرة المقاطع القصيرة. ولابد من التنويه إلى أن الشخصية في هذا المقام تتسم بالإيمان، ولذا
،[فإن الرجل الكافر بنعم الله عليه المتعلق بزخرف الدنيا، قال: (مَا أَ ُ ظنُّ أَن َتِبيدَ هَذِهِ أَبَدًا) [35
فتشكلت العبارة من (14) مقطعا، (7) مقاطع قصيرة و (7) مقاطع متوسطة. أي انه مع وج ود
هذه النعمة، وظنه بأنها لن تزول يشعر باطمئنان ولذلك تساوت البنية المقطعية في هذا المقام.
وتتكرر الظاهرة مرة أخرى في قوله (ومآ أظن الساعة قائمة) . تتشكل العبارة من (12) مقطعًا
6)مقاطع قصيرة و (6) مقاطع طويلة؛ أي تساوت فيها المقاطع القصيرة مع الطويلة، فه و)
يتحدث بنبرة المطمئن إلى ما يقول من إلحاد، فأمن من حيث لا يجب الإنسان أن يأمن، لأنه من
يشاقق الله يجد حسرة وندامة فكانت تلك عاقبة أمره.
وانسجم التشكل المقطعي في أسلوب الحوار المتنوع في السورة، وقد يطول الحوار لذا لابد
من نغمة إيقاعية مريحة سواء للمحاور أم للمتلقي حيث نلاحظ ذلك في قوله تعالى:.وكَ َ ذلِكَ
بَعَثَْناهُمْ لِيََتسَاءُلوا بَيَْنهُمْ* َقالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ* َ كمْ َلِبثُْتمْ* َقاُلوا َلِبثَْنا يَومًا أَو بَعْضَ يَو ٍ م* قَاُلوا رَبُّ ُ كمْ
أَعَْلمُ ِبمَا َلِبثُْتمْ* َفابْعَُثوا أَحَدَ ُ كم ِبو ِ رقِ ُ كمْ هَذِهِ إَِلى الْمَدِيَنةِ َفلْيَن ُ ظرْ أَيُّهَا أَزْ َ كى َ طعَامًا َفلْيَأْتِ ُ كم بِ ِ رزْقٍ
مِّنْهُ ولْيََتَلطَّفْ* ولا يُشْعِرَنَّ ِب ُ كمْ أَحَدًا.) [19] . وضِعَتْ علامات ترقيم فاصلة في داخل الآية؛
وذلك ليسهل متابعة العبارات والجمل داخل الحوار الذي بنيت عليه الآية، ومن خلال التحليل
الخارجي لها يلاحظ عليها سمة الطول، فالتشكل المقطعي لها مكون من (46) مقطعًا قصيرً ا،
والطويل منها (64) مقطعًا، فغلبة المقاطع الطويلة في أغلب المواقع من الآية يعطي إشارة إلى
البعد النفسي الذي كان عليه أصحاب الكهف، فكان بداية تساؤل واستغراب ولذلك كانت المقاطع