بقوته ليتكرر ست مرات، فأعطى ملمح قوة تظهر من ثنايا الموقف الدال على الاختيار، فكان
الرد بعد الاختيار بقوله تعالى:.َقالَ أَمَّا مَن َ ظَلمَ َفسَو َ ف ُنعَذِّبُهُ ُثمَّ يُرَدُّ إَِلى رَبِّهِ َفيُعَذِّبُهُ عَذَابًا
نُّكْرًا. [87] ، فظهر الصوت المفخم في (ظلم) ؛ لينبه بقوته إلى النتيجة بعد الاختيار، فالظلم
عظيم؛ ولذا عاقبته وخيمة.
التوافق بين التفخيم والترقيق:
ومن أشكال التوافق السياقي بين الأصوات المفخمة والمرققة، ما نجد في الآية الآتية،
فشكلت فيما بينها ظاهرة أسلوبية تظهر في قوله تعالى:.أَمَّا السَّفِيَن ُ ة َف َ كاَنتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَُل ونَ
فِي الْبَحْ ِ ر فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وكَانَ ورَاءهُم مَّلِكٌ يَأْ ُ خُذ ُ كلَّ سَفِيَنةٍ غَصْبًا. [79] . يلاحظ أن الآية
بدأت واستمرت في الأصوات المرققة في الحديث عن السفينة ووصف أصحابها والتعاطف
معهم، في أصوات لينة رقيقة، حتى ظهر ذكر الملك الظالم فظهر معه الصوت المفخم (غصبا) .
فالغين صوت مفخم تفخيما جزئيا يتبعه الصاد المفخم تفخيما كليا متبوعا بصوت انفجاري ليعبر
كل هذا عن ذلك الموقف الصعب والظالم.
وظهور متميز للصوت المفخم يبدو في قوله تعالى:.وأَمَّا الُْ غلامُ َف َ كانَ أَبَ واهُ مُؤْمَِنيْنِ
َف َ خشِينَا أَن يُرْهَِقهُمَا ُ طغْيَانًا و ُ كفْرًا. [80] ، يلاحظ وبشكل متكرر ظهور الصوت المفخم بعد
العرض بأسلوب (أمّا) لينتهي عند (غصبا) و (طغيانا) ، والجامع بينهما الظلم وعِ َ ظمُ الفعل ما قد
تم وما يمكن أن يكون، ويلاحظ التوافق الصوتي بين التفخيم والترقيق؛ إذ التوافق لا يحدث
مفاجأة أسلوبية، وهو مطلوب في مثل هذا الموقف الذي فيه توضيح للمفاجآت التي تتابعت عبر
سرد الأحداث السابقة.
وطبيعة الأصوات المفخمة المنسجمة مع أصوات الترقيق في قوله تعالى:.وأَمَّا الْجِدَارُ
َف َ كانَ لِ ُ غلامَيْ ِ ن يَتِيمَيْ ِ ن فِي الْمَدِيَنةِ وكَانَ َتحَْتهُ كَنزٌ لَّهُمَا وكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبُْل َ غا
أَ ُ شدَّهُمَا ويَسَْتخْ ِ رجَا َ كنزَهُمَا رَحْمَ ً ة مِّن رَّبِّكَ ومَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْ ِ ري َ ذلِكَ َتأْويلُ مَا َلمْ َتسْطِع عَّلَيْهِ
صَبْرًا. [82] ، بدأت الآيات واستمرت في سياقها مع الحروف المرققة ذات الملمح الهادئ،
فارتبطت الأصوات المرققة بموقف التفسير والتعليم، إذ يتطلب ذلك جوا من الهدوء ناشئ عن
تلك الأصوات المرققة، إلى أن يظهر الصوت المفخم، فينكشف معه سر المفاجأة التي اكتنفت
الأحداث، فيكمن في (غصبا، وطغيانا، وصالحا) ، السر فيما قام به العبد الصالح من أعمال
أدهشت سيدنا موسى (عليه السلام) .
ثالثا - الأصوات الانفجارية (أصوات الشدة) :
الصوت الانفجاري وما يسمى بالوقفي؛ وذلك لانحباس النفس عند النطق به، ويصاحب
خروجه انفتاح المخرج دفعة واحدة" (1) ، مما يعطي الصوت قوة؛ فارتبط ذلك بالحالات الانفعالية"
والتهديد والوعيد وعظيم الجزاء.
-1 إظهار الانفعال النفسي:
أما حالات الانفعال وعلاقتها بالأصوات الانفجارية فمنها ما ظهر على لسان فتى موسى
(عليه السلام) في قوله تعالى:.َقالَ أَرَأَيْ َ ت إِذْ أَويَْنا إَِلى الصَّخْرَةِ َفإِنِّي نَسِي ُ ت ا لْحُ و َ ت ومَا
أَنسَانِيهُ إِلا الشَّيْ َ طانُ أَنْ أَذْكُرَهُ واتَّ َ خ َ ذ سَِبيَلهُ فِي الْبَحْ ِ ر عَجَبًا. [63] ، نلاحظ في الآية تتابع
وتكرار الصوت المهموز الذي هو من أقوى الأصوات الانفجارية وأعمقها، فمخرجه ا من
الأوتار الصوتية نفسها، وهي أقرب الأصوات للتعبير وإظهار مدى الانفعال النفسي، فارتبط كل
هذا التتابع مع حالة الفتى المندهش مما رأى أمامه من حال الحوت الغريبة؛ ولذا كان منفعلا
وهو ينقل الخبر لموسى (عليه السلام) .
2 -التنبيه:
تكرر صوت الهمزة الانفجاري على لسان العبد الصالح مخاطبا موسى (عليه السلام) ، في
قوله تعالى:.َقالَ أََلمْ أَُقلْ إِنَّكَ َلن َتسَْتطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. [72] ، وفي قوله تعالى:.َقالَ أََلمْ أَُقل لَّكَ
إِنَّكَ َلن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا. [75] ، فالعبد الصالح أراد أن ينبه موسى (عليه السلام) إلى ما هو
مقبل عليه من مواقف صعبة، فتصلح للتنبيه هذه الأصوات الانفجارية التي توقظ السمع وتذكي
الفكر.
.1) أنيس، إبراهيم: الأصوات اللغوية، القاهرة، دار الطباعة الحديثة، 1961، ص 111)
-3 الوعيد:
نلاحظ أثر الأصوات الانفجارية (التاء والدال والباء) في قوله تعالى:.وإِذْ ُقلَْنا لِلْمَلائِكَةِ
اسْجُدُوا لآدَمَ َفسَجَدُوا إِ ّ لا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ َفَفسَ َ ق عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أََفَتتَّخُِذونَهُ وُذرِّيَّتَهُ أولِيَاء
مِن دُونِي وهُمْ َل ُ كمْ عَدُو ِبئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَ ً لا. [50] ، تحمل الآية الكريمة من خلال الاستفهام
الإنكاري بصوت (الهمزة) معنى التهديد، فتتابعت الأصوات الانفجارية مع بداية الآية لترافق
أسلوب الاستفهام فتزيد من وقوته وتأثيره على المخاطبين فتردعهم. فالدال و الباء مرتبطان
بمركز الآية (من دوني) والنتيجة المتعلقة بالفعل (بئس للظالمين بدلا) ، فالدال يأخذ ملمحا سلبيا
صعبا، صوتا ودلالة سياقية، فهو من أصوات القلقلة التي لها وقع قوي"فإذا وقفت خرج معها"
من الفم صويت، ونبا اللسان عن موضعه" (1) . فالانسجام المتحقق بين طبيعة ص وت (الدال) "
الصعب مع المعنى المنكر، الذي يشكل مع الباء إيقاعا متوافقا في (بَدَلا) .
-4 الحركة القوية:
تتابعت الحركة مع الأصوات الانفجارية لتلائم قوة المعنى وحركته في قوله تعالى:.فأتبع
سببا. [85] ، الصوت الانفجاري فيه ملمح من القوة والحركة، فكانت حركات ذي القرنين -بما
وهبه الله من قوة- قوي ً ة، وتظهر فيها السرعة في التحقق والإنجاز، وتتكرر العبارة ثلاث
مرات لتظهر تلك الحركة الفاعلة.
رابعا- الأصوات الصفيرية:
مجموعة الأصوات الصفيرية (الصاد والسين والزاي) ، هي ذات صفات خاصة تجعل
منها عائلة واحدة تتسم بصفة الاحتكاك، وتحدث صفيرا لضيق في مخرجها مما يعطيها سمة
القوة والوضوح السمعي"فالصفير صفة قوة في الصوت لا يشركها في نسبته غيرها من"
الأصوات" (2) . فتلفت الانتباه، وفي الآية التالية التي ظهرت فيها الكلمات(فعسى، ويرس ل،"
حسبانا، السماء، فتصبح، صعيدا، زلقا) ، قال تعالى:.َفعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَ ِ ن خَيْرًا مِّن جَنَّتِ ك
1)سيبويه، أبو بشر عمرو بن قنبر: الكتاب، تحقيق عبد السلام هارون، ج 4، ص 174)
2)سلوم، تامر: نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، اللاذقية: دار الحوار، ص 18)
ويُرْسِلَ عََليْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ َفُتصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا. [40] ، تمثل الكلمات المشتملة على
الحروف الصفيرية مراكز صوتية مرتبطة بالموقف الذي لجأ فيه المؤمن إلى ربه القادر على
الفصل بين موقف الإيمان والكفر، فظهرت الأصوات الصفيرية في الطلب (فعسى) والنتيجة
(فتصبح صعيدا زلقا) . ويزيد على ذلك التفخيم الذي يفضي إلى التخويف من عظيم عاقبة أمر
الله.
وتتبين علاقة الأصوات الصفيرية مع المعنى ومركزية الحوار في قوله تعالى:.ويَ ومَ
،[يَُقولُ نَادُوا ُ شرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمُْتمْ َفدَعَوهُمْ َفَلمْ يَسَْتجِيبُوا َلهُمْ وجَعَلَْنا بَيَْنهُم موِبقً ا. [52
الحروف الصفيرية في الآية (الشين والزاي والسين) ، فتشكل محور ربط مع العناصر الرئيسة
في العبارة، ففي الفكرة بيان بطلان لدعوة الكافرين وزيفها، بادعائهم شركاء مع الله، فالشين في
(شركاء) ذات ملمح فيه تفش وتشتت بالإضافة إلى الصفير، وهذا حال من ادعى مع الله شريكا،
فهو على غير بينة مهتز متشتت الفكر؛ ولذا جاء التعبير بلفظ (زعمتم) ، يبدأ بحرف الزاي وفيه
سمة الاهتزاز وعدم الثبات، فيظهر الانسجام العميق بين اللفظ والمعنى لكل متدبر ومتأمل في
النص القرآني.
وجاءت الأصوات الصفيرية لتحدث جوا من التأكيد في قوله تعالى:.َقالَ سََت ِ جدُنِي إِن َ شاء
اللَّهُ صَابِرًا ولا أَعْصِي َلكَ أَمْرا. [69] ، فقد ارتبطت الأصوات الصفيرية في مراكز تقتضي قوة
في الإسماع والتوكيد، (ستجدني) وعلاقتها مع المستقبل، فارتبطت بمشيئة الله، والصبر ارتبط
بعدم العصيان، وليعطي جانبا من التوكيد اجتمعت صفتا الصفير والتفخيم في مركزي الجملة،
فيتشكل من بينهما محورا من محاور السورة وهو الصبر على الدعوة والتعلم، فكان كل صوت
من أصوات الصفير يأتي في مقابله ما يؤكده من مثله. س ش، ص ص. هذه بعض
الملامح الصوتية الملازمة للأصوات المفردة، ومن خلال سياقاتها وفاعليتها في نقل المعنى
الصوتي الذي يعد من أسس التحليل الأدبي.