وفي ظاهرة تتابع للأصوات المفخمة في الآيات حيث أفادت:
-1 التعظيم والتهويل:
من المشاهد العظيمة المخيفة مشهد حال الدنيا يوم القيامة ما يظهر في قوله تعالى:.وإِنَّا
لَجَاعُِلونَ مَا عََليْهَا صَعِيدًا جُرُزًا. [8] ، الأرض الجرز:"يعني مثل أرض بيضاء لا نبات"
فيها" (1) ، فقد ساعد ملمح التفخيم بما فيه من دلالات القوة والتمكين في (صعيدا) ه و الأكثر"
انسجاما مع سياق التعظيم الذي بدأت به الآية، في أسلوب التأكيد والتعبير بالجمع عن المفرد.
فيزيد وقع الصوت من التأثير والتخويف من عاقبة الأمور وتحقق المصير.
-2 القوة والتمكين:
من المواقف التي ظهرت فيها الحاجة لإظهار القوة والتمكين المستمر في قصة أهل
الكهف، ما ظهر في قوله تعالى:.َفضَرَبَْنا عََلى آذَانِ ِ همْ فِي الْ َ كهْفِ سِنِينَ عَدَدًا. [11] ، وفي قوله
تعالى:.ورَبَطَْنا عََلى ُقُلوِب ِ همْ. [14] . إنّ ما حصل في قصة الفتية أصحاب الكهف فيه أحداث
معجزة تصل إلى حد العجب، سواء ذلك في طبيعة الحدث، فناموا دون أن يوقظهم شيء وذلك
لقوة الحاجز بينهم وبين الأصوات المقلقة، فكان التعبير بالصوت المفخم (فضربنا) يوحي بتلك
القوة ويشعر السامع بوقعها. ويتكرر التعبير بالأصوات المفخمة في قوله تعالى:.ورَبَطَْنا عََلى
ُقُلوِب ِ همْ. [14] ، (وربطنا) ، فطبيعة الصراع ومدة الإقامة التي قدرها الله لبقاء الفتية في ن ومهم
تحتاج إلى عزيمة وقوة، منحها الله للفتية، وليفيد التمكن من تتابع ملمح التفخيم ليسبل ظلالا من
القوة على التعبير.
-3 التنبيه لصعوبة الموقف:
ومن المواقف التي اقتضت التنبيه ما نجده في قوله تعالى:.َقالَ إِنَّكَ َلن َتسَْتطِيعَ مَعِيَ
صَبْرًا {67} و َ كيْ َ ف تَصْبِرُ عََلى مَا َلمْ ُتحِطْ ِبهِ ُ خبْرًا. [68] ، فالصوت المفخم يشكل ملمح ا من
ملامح القوة، والتعظيم؛ ولذا ارتبط ظهوره في المواقف الصعبة وإظهار القوة، كما يظهر من
1)الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل، بيروت: دار الفكر)
.للطباعة والنشر والتوزيع، ج 2، ص 473
خلال الآيات السابقة، في الكلمات (صعيدا) و (ضربنا) و (ربطنا) ، فجميعها تظهر سمة القوة في
الصفة والحدث. وعادت الأصوات في قوله تعالى:.َقالَ أََلمْ أَُقلْ إِنَّكَ َلن َتسَْتطِيعَ مَعِيَ
صَبْرًا. [72] ، فشكلت الأصوات بتكرارها تأكيدا للموقف وما يمكن أن يتخلله من صع وبات
متوقعة.
وهذا الموقف الذي تظهر فيها صعوبة ويأس يلازمان من يقع في مثل حال الكافر المنكر
لفضل الله عليه، فمثل ذلك يظهر في قوله تعالى:.أَو يُصِْبحَ مَاؤُهَا َ غورًا َفَلن َتسَْتطِيعَ لَهُ
طَلَبًا. [41] ، يلاحظ تمركز أصوات التفخيم عند عنصر المفاجأة (يصبح) ، وعند نقط ة اليأس
والرغبة (تستطيع له طلبا) مسبوقة بالنفي.
وتسهم عملية الاستبدال الأسلوبي في الكشف عن أثر الصوت المفخم في قوله تعالى:.َلَقدْ
َلقِيَنا مِن سََف ِ رَنا هَ َ ذا نَصَبًا. [62] ، فالنَصَبُ شدة التعب، فأسهم صوت الصاد المفخم في إظهار
ذلك التعب الشديد، فلو وضعت بدلا من نصبا تعبا لما أظهرت تلك الصع وبة والمعاناة في
الموقف.
ومن الأصوات المفخمة ما نلاحظه في قوله تعالى:.َفمَا اسْطَا عوا أَن يَظْهَ روهُ ومَا
اسَْت َ طاعُوا لَهُ نَقْبًا. [97] ، في الآية يظهر مدى الصعوبة في الحدث (أن يظهر وه) ، فتظهر
الأصوات المفخمة (اسطاعوا، يظهروه، استطاعوا، نقبا) ، مما ش ّ كل أغلب المفردات التي دخلت
في بناء التركيب وأظهر تناغم التركيب اللغوي مع طبيعة المعنى.
-4 التحسر والتنديم:
من أكثر المواقف تأثيرا في النفس الندم حين لا ينفع الندم، ويكشف قوله تعالى:.الَّذِينَ
ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. [104] ، عن حالة من الندم،
ففي الآية وصف لحال من أحوال أهل النار يوم الحساب، فمنهم من كان لا يعمل خيرًا فه و
يعرف مصيره مباشرة، ولكن المفاجأة مع الذين يأتون بأعمال يظنونها خيرا، ولكنها تحبط فلا
يعود لها وزن، فظهر ملمح التفخيم في مركزين أساسيين هما، النتيجة في (ض ل) ، والعمل
(صنعا) . فهم يظنون أن عملهم عظيم، فظهر ملمح التفخيم، فكانت النتيجة تحمل السمة الصوتية
نفسها، فهي من باب تشكل عنصر ربط معنوي وجزاء ورابط بنيوي داخلي. فالتعبير واقع بين
طرفين صوتيين بارزين، تتحرك بينهما الصورة الأدبية كاملة.
-5 التنفير من سوء القول والعمل:
القول مركز الحوار وأداته، وهو ركن أساس في السورة وضرورة التنبيه إلى طبيعة الكلام
وخطورته؛ إذ قد يخرج الكلام صاحبه من الإيمان، فكانت الأصوات المفخمة مرافقة للق ول
والإدعاء في قوله تعالى:.ورَبَطَْنا عََلى ُقُلوِب ِ همْ إِذْ قَامُوا َفَقاُلوا رَبَُّنا رَبُّ السَّمَاواتِ والأرْ ِ ض َلن
نَّدْعُوا مِن دُونِهِ إِلَهًا َلَقدْ ُقلَْنا إِذًا َ ش َ ططًا. [14] ، للتنبيه إلى تلك الخطورة. ومثل ذلك في قوله
تعالى:.هَؤُلاء َقومَُنا اتَّخَُذوا مِن دُونِهِ آلِهَ ً ة لَّولا يَأُْتونَ عََليْ ِ هم ِبسُلْ َ طا ٍ ن بَيِّ ٍ ن َفمَنْ أَظْلَمُ مِمَّ ِ ن
افَْترَى عََلى اللَّهِ كَذِبًا. [15] ، فقد قال الكفار قولا مبالغا فيه س وءًا وقبحا؛ فاقترن ق ولهم
بالأصوات المفخمة؛ ولذا طلب الله منهم برهانا يكون على نفس المستوى من ادعائهم، فكان من
الممكن أن تكون العبارة هاتوا برهانكم، فتخلو العبارة من التفخيم، ولكن للمحافظة على نفس
مستوى ادعائهم جاء الطلب منهم بأصوات التفخيم، (لولا يأتون عليهم بسلطان) ، فيعجزهم ذلك
ليبعدهم عن غيهم وضلالهم، أو ليعرفوا خطورة ما تلفظوا به من قول.
ب- الترقيق:
الترقيق الصوتي في مقابل التفخيم، فمع الصوت المرقق يستفل اللسان ويمتد ويرق أغلبه،
فيخرج الصوت وفيه ملمح من ملامح الهدوء، وصفة من صفات اللين، ويسمى أيضا لحركة
اللسان معه بالاستفال، فعند خروج الصوت ينخفض اللسان عن مستوى التفخيم، ويلين المخرج
ولذا يكتسب الكلام لينا ورقة. ومما يفيده الترقيق:
-1 التودد:
يظهر التودد على لسان موسى (عليه السلام) في قوله تعالى:.َقالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَِّبعُكَ
عََلى أَن ُتعَلِّمَ ِ ن مِمَّا عُلِّمْ َ ت رُشْدًا. [66] ، وفي قوله تعالى:.َقالَ لا ُتؤَاخِذْنِي ِبمَا نَسِي ُ ت ولا
ُترْهِقْنِي مِنْ أَمْ ِ ري عُسْرًا. [73] ، ففي الموقفين من النبي موسى (عليه السلام) مع العبد الصالح
طلب واعتذار مؤدبان وتودد لقبوله، ولذا جاءت كلماته رقيقة لينة خالية م ن التفخيم؛ لتظلل
الموقف بروح من الود لقبول الطلب والاعتذار.
-2 التوسع في الرحمة:
لعل من جماليات التعبير الأدبي قدرته على التصوير بالرغم مما يظهر من ملامح
التناقض، فالكهف في دلالته المكانية ضيق، إلا أنه يتسع برحمة الله، والأصوات المرققة تتناسب
مع الرحمة، قال تعالى:.وإِذِ اعَْتزَلُْتمُوهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ َفأْووا إَِلى الْ َ كهْفِ يَن ُ شرْ َل ُ كمْ رَبُّ ُ كم
مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ َل ُ كم مِّنْ أَمْ ِ ر ُ كم مِّرْفَقًا. [16] ، لقد خلت الآية بشكل عام من أصوات التفخيم؛
مما قرب التصور الذهني لسامع الآية للدخول إلى جو مريح يتسم بالرحمة والراحة والاتساع،
بالرغم من ضيق المكان، فقد كلأت عناية الله الفتية وشملتهم رحمته، على الرغم من ضي ق
المكان (وهم في فجوة منه) ، فاتسع لهم على ضيقه.
-3 التخيير:
التخيير بين أمرين أو أكثر، يكون المُخيَّرُ قادرا على الأخذ بأحدهما، فيتساوق الأسلوب بين
الطرفين، وفي الأمثلة الآتية يخلو الطرفان من الحروف المفخمة التي قد ترجح أحدهما على
الآخر، إما لعلم عن سلامة الطبع في حسن الاختيار أو ليتحمل المختار نتيجة اختياره، فيلزم
،[عاقبة ما أقدم عليه، ومثل ذلك في قوله تعالى:.َفمَن َ شاء َفلْيُؤْمِن ومَن َ شاء َفلْيَكُْفر. [29
فحرية الاختيار بين الإيمان والكفر ممكنة، فجاءت العبارة خالية من حروف التفخيم، لتتسا وق
الأصوات المرققة مع حرية الاختيار، ولكن على من يختار أن يتحمل عاقبة اختياره، فالآية
أتبعت إنذارا شديدا لمن يختار الكفر مسلكا له ومذهبا؛ ولذا طلع علينا الصوت المفخم (الظاء)
في قوله تعالى:.إِنَّا أَعَْتدَْنا لِلظَّالِمِينَ َنارًا. [29] ، يرافقه صوت النون ذو الوض وح السمعي
القوي، فيتكرر أربع مرات، فيضفي بقوته الصوتية الرنانة قوة إسماع وتبليغ.
ومن التخيير أيضا ما نلمسه في قوله تعالى:.ُقلَْنا يَا َ ذا الَْقرَْنيْ ِ ن إِمَّا أَن ُتعَذِّبَ وإِمَّا أَن َتتَّخِ َ ذ
فِي ِ همْ حُسْنًا. [86] ، فالخطاب موجه لذي القرنين وهو في موضع تمكين من الله، وأعطاه حرية
الاختيار بين التعذيب أو الإحسان إليهم، فعامل ك ً لا منهم حسب ما يستحق، وعاد صوت الن ون