يكون الكلام متحدرا كالماء المنسجم، ويكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقة،
والقرآن كله كذلك" (1) . إلا أن الأصوات المفردة بحد ذاتها لا نجد لها كبير أثر"فإذا نظرنا إليها
.(وحدها لم نجد إلا عملا ضئيلا قيمته ضئيلة"(2"
والدراسة الأسلوبية حسب منهجيتها تركز على الظواهر الفنية التي تتكرر، أو التي يك ون
لها أثر لافت في البناء اللغوي للنص، بحيث تشكل خصوصية بارزة خلال النص الأدبي.
فالأصوات المجهورة لقوتها لها تأثير مختلف عن المهموسة وكذلك التفخيم والترقيق، والشدة
والرخاوة. إذن فالأصوات لها فاعلية جمالية ومعنوية تؤثر في النشاط الإيقاعي والانبعاث
الموسيقي"وهذه الفاعلية الجمالية تتحدد بأشياء كثيرة منها النغمة المميزة لكل ص وت من"
.(الأصوات وغنى الصوت بالنغمات الثانوية"(3"
ومن خلال دراسة الملامح الصوتية في الأمثلة التالية يتضح مدى التوافق والانسجام بين
. (طبيعة الأصوات والمعنى(المعنى الصوتي) (4
أولا- الجهر والهمس:
يتشكل ملمحا الجهر والهمس في أول مراحل التكون الصوتي، فحركة الأوتار الصوتية
وتذبذبهما بشكل قوي أو لين له علاقة مباشرة بهذين الملمحين، ولهذه العلاقة المبكرة بين اللفظ
والمعنى فقد كان لهما المرتبة الأولى في التحليل والدراسة الأدبية.
أ- الجهر:
الجهر في الأصوات ناتج عن"اهتزاز الوترين الصوتيين اهتزازا منتظما يحدث ص وتا"
موسيقيا" (1) . فالجهر إذا هو ارتفاع في شدة الصوت، فيكون للصوت المجهور من سمات الق وة"
وطبيعة التأثير ما لا يكون لغيره من الأصوات، ومما يفيده الجهر:
(1) . السيوطي، جلال الدين: الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل، ط 3، القاهرة: دار التراث، ص 261
(2) . قطب، سيد: النقد الأدبي أصوله ومناهجه. بيروت: دار الفكر العربي، ص 48
.3) عياد، شكري: موسيقى الشعر العربي، ط 2، القاهرة: دار المعرفة، 1978، ص 113)
.4) سلوم، تامر: نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، اللاذقية: دار الحوار، ص 44)
-1 التهديد والوعيد:
طبيعة الإنذار والوعيد تحتاج إلى أصوات ذات وضوح سمعي لغرض الت وص يل ودقة
الإسماع. فمن التهديد ما يدرك في قوله تعالى:.ويُنذِرَ الَّذِينَ َقاُلوا اتَّ َ خ َ ذ اللَّهُ ولَدًا. [4] ، فتكرار
الأصوات المجهورة (الذال، والدال، والراء) ، ذات الوقع القوي المؤثر لتكشف أبعاد المعنى
الغريب ولتلفت الانتباه إليه لخطورته عليهم، فارتبطت الأصوات المجهورة في مراكز الجملة
معنويا ممثلة ب (الإنذار، والادعاء الكاذب-اتخذ-، وولدا) . وكل هذا في خط متوا ٍ ز ومنسجم
مع المعنى الذي تحمله الآية وتزيد طبيعة الأصوات المجهورة من تأثير وقعها على السامع.
وبذا يبدو النشاط الصوتي في تفاعل بين الصوت والمعنى.
ومن التهديد والتنبيه لعاقبة الظلم ما في قوله تعالى:.َقالَ أَمَّا مَن َ ظَلمَ َفسَو َ ف ُنعَذِّبُهُ ُثمَّ يُرَدُّ
إَِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَ َ ذابًا نُّكْرًا. [87] ، مما يلاحظ في الآية تكرار صوت الذال والصوت المقابل له
الظاء وهما حرفان مجهوران وفيهما ملامح من القوة والإثارة والتأثير وقدرة على التوصيل،
وارتبط ظهورهما في مراكز معنوية داخل الآية، متمثلة في فعل الشرط وجوابه، فالفعل (ظلم)
والجواب الذي تكرر بأشكال مختلفة (نعذبه، فيعذبه، عذابا) ، فالتكرار يفيد من جانب التأكيد
المعنوي، ومن جانب آخر له وقع صوتي يشكل إيقاعا ضاغطا مؤثرا، ليلقي بظلاله على النفس
التي وقعت في إثم الظلم، ويأتي في مقابل الظلم عدة كلمات تشير إلى العذاب وس وء العاقبة
والتخويف منها.
-2 تقرير مصير الكافرين المؤلم:
تتكرر أصوات ذات طبيعة متقاربة في صفة الجهر فتلازم معاني متقاربة ومترابطة في
قوله تعالى:.ومَنْ أَظَْلمُ مِمَّن ُذكِّرَ ِبآيَاتِ رَبِّهِ َفأَعْرَضَ عَنْهَا وَنسِيَ مَا َقدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلَْنا
عََلى ُقُلوِب ِ همْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وفِي آذَانِ ِ همْ وقْرًا وإِن تَدْعُهُمْ إَِلى الْهُدَى َفَلن يَهْتَ دوا إِذًا
أَبَدًا. [57] . فتتابع صوتي لأصوات الجهر في (أظلم وذكر) ، و (أعرض و قدمت يداه) ، فيأتي
الصوت المجهور المفخم يتبعه المجهور المرقق، (ظ ___ ذ، ض___ د، د) ، مع هذا التتابع
.1) أنيس، إبراهيم: الأصوات اللغوية. القاهرة: دار الطباعة الحديثة، 1961، ص 20)
الصوتي الرابط بين المقدمات من ظلم وإعراض، والنتائج التي تظهر المصير الموحش الذي
يزداد سوءًا وضبابية، فالقلوب عليها الأكنة وصمت الآذان فكانت النتيجة المبدئية، الضلال الذي
يوصل إلى غضب الجبار. كما يظهر الانتظام الصوتي الذي يشكل أجمل أشكال الإيقاع داخل
النص الأدبي، له فاعلية وتأثير، فإذا ما ارتبط بالمعنى كان أقدر على إبرازه، والتأثير به. وفي
صوت الدال المجهور تتابع في الاستعمال (تدعهم، الهدى، يهتدوا، أبدا) ، فالنسق الص وتي
المتكون من تتابع أصوات (الدال) ، ذات الملمح الصعب في النطق؛ فهي تدخل في عمليات
إدغام كثيرة وتغير في المخرج في بعض الأوقات؛ ولذا كانت الخاتمة في الآية بهذا الص وت
لتكون النهاية الصعبة لفظا وصعبة على الكافرين الذين انقطعت بهم السبل، فهم في الضلال
أبدا.
ب- الهمس:
أما الهمس فهو ملمح صوتي يتسم بالليونة في طبيعته وتكوينه وفيه ملمح من الحزن أحيانًا،
على العكس من الجهر، فلا اهتزاز معه للأوتار الصوتية"فالصوت المهموس هو الذي لا يهتز"
معه الوتران الصوتيان ولا يسمع لهما رنين حين النطق به" (1) ، ومما يفيده ملمح الهمس:"
-1 الطمأنة والتبشير للمؤمنين:
طبيعة الصوت المهموس تشكل عنصر راحة وتقريب؛ وكأن المتكلم يريد أن يقرب السامع
منه فيهمس في أذنه، والمؤمنون من أقرب الخلق إلى الله، قال الله تعالى:.ويُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَُلونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ َلهُمْ أَجْرًا حَسَنًا. [2] ، في الآية ألفاظ سهلة في طبيعة أص واتها
(يبشر، الصالحات، حسنا) ، تلاقت والمعاني المريحة المحببة للنفس وتوافقت مع الأص وات
المهموسة اللينة الرقيقة. وإلى جانب ذلك فهي أصوات صفيرية فيها ملمح قوة التوصيل والتفشي
في الشين والتفشي"هو كثرة خروج الريح (الصوت) بين اللسان والحنك، وانبساطه في الخروج"
.1) أنيس، إبراهيم: الأصوات اللغوية، القاهرة: دار الطباعة الحديثة، ص 20)
عند النطق بها" (1) . فيضاعف صوت الشين من البشارة التي يحملها الرسول(صلى الله عليه"
وسلم) للمؤمنين.
-2 التوسع في الوصف:
من المظاهر الممتعة في وصف الجنة وحال أصحابها ما ورد في قوله تعالى:.أُوَلئِكَ َلهُمْ
جَنَّا ُ ت عَدْ ٍ ن َتجْ ِ ري مِن َتحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّونَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِن َ ذهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيَابًا ُ خضْرًا
مِّن سُندُ ٍ س وإِسَْتبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عََلى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسَُنتْ مُرَْتَفقًا. [31] ،(يحل ون،
فيها، أساور، يلبسون، سندس، إستبرق)، فأغلب الأصوات في الآية مهموسة(الحاء، والهاء،
والسين المتكررة وأيضا هي من الحروف الصفيرية، والثاء)، ليتناسب كل ذلك مع وصف حال
أهل الجنة ونعيمها، وفي تمازج يخلب اللب والسمع لهذا الوصف لأهل الجنة وهم في أجمل
وصف وألين حال.
ومن التوسع في الوصف قوله تعالى:.وحََففَْناهُمَا بَِنخْلٍ. [32] ، تتابع مجموعة من أصوات
مهموسة رقيقة عذبة، تنشر جوا من الراحة والجمال يملأ المحيط بها، أصوات مهموسة الحاء
والهاء والفاء، تخرج من الفم بكل أريحية، لتسبل على المنظر جما ً لا وروعة، وكأن حفيف
الشجر جُمِع صوتا ومنظرا، يجول الخيال عبره وما أجمل فك الإدغام في (وحففناهما) ، فالإدغام
يعطي ملمحًا من القوة قد لا تكون مناسبة في هذا المقام؛ إذ أدى فك الإدغام إلى تكرار الحرف
المهموس (الفاء) فزاد من فاعليته وجماله.
ثانيا - التفخيم والترقيق:
أ- التفخيم:
تفخيم الصوت سواء تفخيما كليا أم جزئيا ناتج عن حركة مؤخرة اللسان إلى الطبق عند
.(النطق بالصوت"فيظهر فيه قوة وتمكن وتعظيم مخالفا للصوت المرقق المقابل له"(2
.1)القيسي، مكي أبو محمد بن أبي طالب: الرعاية، ص 109)
.2) ينظر، أنيس، إبراهيم: الأصوات اللغوية، ص 76)