المسلم متواضع في غير ذل ، عزير في غير كبر ، فإن الذل والكبر من الأخلاق الذميمة التي تأباها الشريعة والنفوس الشريفة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يدخل الجنة مَنْ كان في قلبه مثقال ذرة من كبر » [18] ، والحُجاج في هذا المجمع العظيم في يوم عرفة ، ما بين رئيس ومرؤوس ، وأمير ومأمور ، وملك ومملوك ، جميعهم في لباس واحد إزار ورداء ، رؤوسهم عارية ، أيديهم مرفوعة ، ألسنتهم تلهج بالذكر والدعاء وطلب المغفرة ، همُّهم الفوز بالرضوان ودخول الجنان ؛ لا التعالي أو التكبر على عبيد الخالق الديان ، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يترجم ذلك عملًا في تلبيته ، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: « كانت تلبية النبي صلى الله عليه وسلم: « لبيلك حجًا حقًا ، تعبدًا ورقًّا » [19] .
وهذا درس لم يفقهه مَنْ يمشي على الأرض يدكها برجله دكًا ، أو من يصعِّر خده للناس تعاليًا وكبرًا .
7 -تزكية النفوس وتطهيرها:
حضت الشريعة المسلم على تزكية نفسه وتطهيرها ، وتحريرها من شح النفس وبخلها ، فأمرت بإعطاء الفقراء والمساكين حقهم من الزكوات ، وحثت على الإنفاق عليهم والإحسان إليهم ، ووعدت على ذلك الأجر الجزيل ، وفي الحج يحتاج الناس إلى الزاد الذي به قيام النفوس ، وفي هذا الموقف يأمر الله الحجاج أن يُخرِجوا من أموالهم وأزوادهم ما يطعمون به الفقير ؛ من النسك الذي ذبحوه تقربًا إلى الله تعالى ، فقال تعالى: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ } ( الحج: 28 ) ، فيفعل الحاج من ذلك ما يفعل طعمةً للفقراء والمساكين ، وتقوى لله عز وجل قال تعالى: { لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ } ( الحج: 37 ) .
وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم أمر النفقة في الحج فقال صلى الله عليه وسلم: « النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف » [20] .