الصفحة 6 من 10

ومذموم: وهو الذي لا يستند إلى دليل وإنما هو مجرد أوهام. وهذا المقصود في قوله ـ تعالى ـ (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ) ) [الحجرات: 12] واعتبره النبي -صلى الله عليه وسلم- أكذب الحديث؛ فقد أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث) (61) قال القاضي عياض معلقًا على هذا الحديث: (وهذا الحديث حمله المحققون على ظن مجرد عن الدليل ليس مبنيًا على أصل ولا تحقيق نظر) (62) .

إذا علمنا هذا فإن من ينقل حديثًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وينسبه إليه وهو يظن أنه كذب فإن كان هذا الظن يستند إلى دليل فيجب عليه أن يبين ذلك، وإلا كان مساهمًا في نشر الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

أما إذا كان هذا الظن لا يستند إلى دليل؛ ففي هذه الحالة لا يحل له أن ينسب حديثًا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو لا يعلم مرتبته؛ إذ قد يكون موضوعًا وهو لا يعلم. وقد ترجم ابن حبان لهذا الحديث بقوله: فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى وهو غير عالم بصحته (63) . فتبين لنا أن هذا الحديث النبوي الشريف يحذرنا من نسبة الحديث إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون تثبت؛ إذ إن من يفعل ذلك فقد يكون من الكاذبين على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو لا يشعر.

فالواجب على المؤمن أن يتثبت في نقل السنة النبوية. ولنا في الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الأسوة الحسنة. فهم أول من تثبّت في نقل السنة وقبولها. والأمثلة على ذلك كثيرة (64) أقتصر على مثال واحد وهو الآتي:

ـ أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي، فرجعت. فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع) . فقال: والله لتقيمن عليه بينة. أمنكم أحد سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال أُبَيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك. هذا لفظ البخاري (65) . وورد هذا الحديث من رواية أبي موسى الأشعري أخرجها مسلم وغيره؛ ومما جاء فيها قول عمر: (سبحان الله! إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت) (66) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت