وساذكر فيما بعد ما يستفاد من الحديث في كلتا الحالتين.
وقوله: (فهو أحد الكاذبين) يحتمل أن يكون بكسر الباء وفتح النون على الجمع، ويحتمل أن يكون بفتح الباء وكسر النون على التثنية. والطرق التي وقفت عليها لم يرد فيها تحديد ذلك رواية. وقد ذكر الإمام النووي (51) أنه ضبطه بكسر الباء وفتح النون على الجمع، وقال بأن هذا هو المشهور. ونقل عن القاضي عياض قوله: (الرواية فيه عندنا: الكاذبين، على الجمع) (52) .
وذكر النووي أيضًا (53) أن الإمام أبا نعيم الأصبهاني رواه في مستخرجه على صحيح مسلم عن حديث سمرة بصيغة التثنية واحتج به على أن الراوي له يشارك البادئ بهذا الكذب. ورواه أبو نعيم أيضًا من رواية المغيرة بالتثنية أو الجمع على الشك (54) .
والمعنى متقارب ففي حالة التثنية فالمقصود أن الراوي يشارك الكاذب في كذبه. وفي حالة الجمع فالمقصود أن الراوي أحد الكاذبين.
وفي رواية أبي داود الطيالسي عن سمرة وكذا المغيرة بن شعبة ورد الحديث بلفظ (الكذابين) بصيغة المبالغة وهي أبلغ في الزجر.
بعد هذا البيان أذكر ما يستفاد من الحديث في ضوء ما تقدم ذكره.
فالكلمة المحورية في هذا الحديث هي قوله: (يرى) :
ـ فإذا كانت بفتح الياء بمعنى يعلم فإن من ينسب حديثًا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يعلم أنه كذب ولا يبين ذلك فهو أحد الكاذبين على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وقد أجمع العلماء على أنه لا تحل رواية الحديث الموضوع إلا مع بيان وضعه. قال الحافظ ابن حجر: (واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقرونًا ببيانه لقوله:(من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) (55) والكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الكبائر؛ للحديث المتواتر: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) (56) وبالغ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين فكفر متعمد الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (57) وتبعه على ذلك طائفة من العلماء منهم الإمام ناصر الدين بن المنير من أئمة المالكية (58) .
ـ أما إذا كانت بضم الراء بمعنى يظن، فأصل الظن الشك مع ميل إلى أحد معتقديه (59) والظن شرعًا نوعان (60) : محمود: وهو الذي يستند إلى دليل. وأكثر أحكام الشريعة مبنية على غلبة الظن كالقياس وخبر الواحد.