وقد اعتنى أئمة الحديث بعلم الرجال عناية فائقة، حتى عده ابن المديني: (نصف علم الحديث) (30) . ولهذا صنفت مصنفات خاصة في هذا العلم، ورتب فيه الرواة من حيث القوة والضعف، وبين فيه الذي تقبل روايته من الذي ترد، ولهذا اشترط الأئمة في الناقد المتكلم في الرجال جرحًا وتعديلًا أن يكون بصيرًا بأحوال الرجال، واسع الاطلاع على الأخبار، خبيرًا بالحديث وعلله، ويجب أن يتحلى بالأمانة والورع، وبالفطنة والنباهة، عنده ملكة نقدية راسخة تعينه على تفهم دقائق العلل وخفايا المسائل.
5 -إرساء قواعد الرواية وأصولها:
لَمّا توسعت الرواية، وكثر النّقَلَة، اهتم علماء الحديث بتقعيد قواعد الرواية، وبيّنوا أصولها و ضوابطها بيانًا تفصيليًا، وسمي هذا العلم فيما بعد بـ: (علم مصطلح الحديث) ، وكان من أوائل من كتب فيه: الإمام الشافعي في أجزاء متفرقة من كتبه، وخاصة كتابه الرسالة، ثم تلميذه عبد الله الحميدي، ثم كتب الإمام مسلم شيئًا من قوانين الرواية في مقدمة صحيحه، وكتابه التمييز، وكذلك الترمذي في العلل الصغير. وفي منتصف القرن الرابع ألف الرامهرمزي كتابه الجليل: (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) . ثم تتابعت المؤلفات، وكثرت المصنفات من المطولات والمختصرات.
ومن أشهر قواعد الرواية التي سأشير إليها في هذه المقالة: أنّ أئمة الحديث وضعوا شروطًا خمسة للرواية الصحيحة التي يعتمد عليها، وهي على سبيل الاختصار:
الشرط الأول: اتصال الإسناد، وسلامته من الانقطاع، فكلّ راوٍ لا بد أن يكون قد سمعه ممّن هو فوقه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ويعرف الاتصال عادة بمعرفة تواريخ الرواة، ومواليدهم، ووفياتهم، ورحلاتهم، وأسماء شيوخهم وتلاميذهم، ومتى وأين وكيف تم تتلمذهم على بعضهم .. وهكذا، ولهذا قال سفيان الثوري: (لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ) (31) .
ومراجعة كتب الجرح والتعديل وتواريخ الرجال والبلدان، تبين الجهد العظيم الذي بذله الأئمة في تسجيل كل شاردة وواردة في وتواريخ الرجال وسيرهم.
الشرط الثاني: عدالة الرواة في جميع طبقات السند.
ويعرف المحدثون العدالة بأنها: (ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة) (32) . والعدل هو: كل مسلم مميّز سليم من أسباب الفسق وخوارم المروءة. ولهذا قال عبد الله بن المبارك: (العدل من كان