فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 17

وبهذا نتبين أن أئمة السنة بذلوا جهدًا عظيمًا في جمع السنة وتبويبها، وتركوا لنا تراثًا غزيرًا في عشرات المصنفات والدواوين، حتى أصبحت هذه الأمة تمتلك ـ بحق ـ أغنى تراث عرفته البشرية، فاللهم لك الحمد والمنة على هذه النعمة العظيمة.

3 -علم الإسناد:

لمّا ظهرت الفتن في أواخر الخلافة الراشدة، بدأ الأئمة في البحث عن الأسانيد، والنظر في مصادر الروايات، حتى لا يدخل في هذا العلم من ليس من أهله، قال ابن سيرين: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا:(سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع ولا يؤخذ حديثهم) (27) .

والإسناد خصّيصة من خصائص هذه الأمة، تروى به الأحاديث، وتعرف به الطرق، ولهذا تتابع اهتمام الأئمة بالأسانيد، وأصبح الحديث بلا إسناد لا قيمة له، ولهذا قال عبد الله بن المبارك: (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء) (28) .

وقال ابن حبان: (ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له، لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم؛ وذاك أنه لم تكن أمة لنبي -صلى الله عليه وسلم- قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة، حتى لا يتهيأ أن يزاد في سنة من سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألف ولا واو، كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن. فحفظت هذه الطائفة السنن على المسلمين، وكثرت عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء بما شاء) (29) .

4 -التفتيش في الأسانيد ومنازل الرواة:

كان من ثمرات علم الإسناد: اهتمام العلماء في وقت مبكر جدًا بدراسة أحوال الرواة ومراتبهم، من حيث العدالة والضبط، ومن حيث صحة طرق التحمل والأداء، من حيث تواريخهم وأشياخهم وتلاميذهم .... ونحو ذلك، وسمي هذا العلم فيما بعد بـ: (علم الجرح والتعديل) .

وعلم الجرح والتعديل من العلوم الجليلة التي كانت سببًا رئيسًا من أسباب حفظ الدين، والذبّ عن سنة سيد المرسلين، ولهذا قال ابن خلاد ليحيى القطان: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟! قال يحيى: لأن يكونوا خصماء لي أحب إليّ من أن خصمي المصطفى إذ لم أذبّ عن حديثه وشريعته) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت