لعل من أوائل المحاولات لجمع السنة: ما قام به عبد العزيز بن مروان، حيث كتب إلى كثير بن مرة ـ وكان قد أدرك بحمص سبعين بدريًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أحاديثهم، إلا حديث أبي هريرة، فإنّه عندنا) (21) .
ولما جاء بعده ابنه عمر بن عبد العزيز حرص على جمع السنة، وسلك في ذلك طريقين:
الأول: كتب إلى أبي بكر ابن حزم: (انظر ما كان من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي) (22) .
الثاني: أمر الزهري بجمع السنة، حيث قال الزهري: (أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا) (23) .
ولهذا قال الترمذي: (هو واضع علم الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز، مخافة ضياعه بضياع أهله) (24) .
المرحلة الثانية: تدوين السنة في منتصف القرن الثاني:
قال الذهبي: (لم ينتصف القرن الثاني حتى نشطت حركة تدوين الحديث، وكان من سبق إليها من رجال هذا القرن: ابن جريج المكي، وابن إسحاق، ومعمر ابن راشد، وسعيد بن أبي عروبة، وربيع بن صبيح، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن المبارك، ثم تتابع الناس) (25) .
وقال ابن حجر: (ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب الأخبار لمّا انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار) (26) .
المرحلة الثالثة: تصنيف السنّة في القرن الثالث:
في بدايات القرن الثالث أخذ التصنيف دورًا جديدًا، فظهرت المصنفات: كمصنف عبد الرزاق [ت211هـ] وابن أبي شيبة [235هـ] ، والمسانيد: كمسانيد الحميدي [ت219هـ] ، وأحمد [ت241هـ] ، والدارمي [ت هـ] ، والجوامع: كجامع البخاري [ت 256هـ] ، وجامع مسلم [ت261هـ] ، وجامع الترمذي [ت279هـ] ، والسنن: كسنن أبي داود [ت 275هـ] ، وابن ماجه [ت 273هـ] ، والنسائي [ت303هـ] .