وتضرب مثلا على هذا المنهج أيضا بأصول الفقه الذي دون كعلم تال للفقه، فالفقه الحنفي على وجه الخصوص بني جملة وتفصيلا على فروع الفقه، فأصبح رغم أصوليته تابعًا للفقه، وأصول المذاهب الثلاثة الأخرى رغم توسعها وفقا لمناهج علم الكلام لا أنها لم تنضج إلا بواسطة تطبيق الفروع الفقيهة المستندة على الأدلة ، وبقى الأصول علما لا بد منه للمجتهدين بينما الفقه علم سائر المكلفين ، وقواعد الفقه ما هي إلا مثل آخر إذ أنه لم يتبلور إلا في القرن السابع، واستفاد منه العلماء، ولكن معرفة الفروع تظل سابقة عليه في ضرورة تعلمها كما كانت سابقة عليه زمانًا، رغم أنها تجمع العديد من الفروع ، وتسهل حفظها وإدراكها.
... ولهذا فإن المقدمات قبل المقاصد، والجزئيات قبل الكليات في أمور الشريعة عمومًا، وفي مسائل الفقه خصوصًا، وكلا الأمرين داخلان في قاعدة الفروع قبل الأصول، أما فيما سوى ذلك فيما لو كان الأصل صلب العلم والفرع من هوامشه، أو أن الأصل يبني عليه الثواب والعقاب، والفرع تبع له، فإن القاعدة الأصلية تظل ( الأصول قبل الفروع) ، كما ستبينه القاعدة التالية...
(2) الأصول قبل الفروع:
... وهذا مبدأ واضح ضروري ، فتعلم أصول الشريعة لا بد منه قبل فروعها، وأرفع الأصول: أصل العقيدة ، كمعرفة الباري تعالى وأسمائه وصفاته، والإيمان وبأنبيائه ورسله ، ودون معرفة ذلك فالعمل يصيبه الإحباط، ولذلك قال السلف: العلم قبل العلم ، وترجم الإمام البخاري لهذا المعنى فقال:
... ( باب: العلم قبل القول والعمل ، لقول الله تعالى: فأعلم أنه لأ إله إلا الله"فبدأ بالعلم ، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء"(1) .
... بينما الفقه وفروع الشريعة تبع لذلك، وكذلك في الفن الواحد، ففي الفقه مثلًا معرفة ما تصح به العبادة أولى بالمعرفة من سنن العبادات وزوائدها، وهكذا.
(1) - فتح الباري 1/160.