... وإنما يسعنا هنا أن نشير إلى أن الحوار بين المربي وتلميذه هو أحد أهم الوسائل الأخرى لتكوين العقلية الاجتهادية الإبداعية ، ويأتي مساندًا للطريقة المضادة للتدرج التي أشرنا إلى نسبية صوابها، بل ومساندا لطريقة التدرج أيضا، وقد مالت ( منهجية التربية القيادية ) في سلسلة العين إلى شرحه وتحبيذه وجعله معلما بارزا من معالم هذه التربية ، وهي تذكرنا بما كان من حوار ثري دفاق دائم يومي في مجال أبي حنيفة مع أصحابه رحمهم الله ، من أمثال أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وزفر بن الهذيل ومحمد بن زياد اللؤلؤي والقاضي الكندي، أو مجالس الشافعي بمصر مع أصحابه رحمهم الله، من أمثال البويطي والمزني والحميدي، ومن قبلهم الحسن بن محمد الزعفراني وأصحابه ببغداد، حتى أن كتاب ( الأم) الواسع كان ثمرة لتلك المحاورات التي رأسها الشافعي، وليس هو من تأليف الشافعي كباحث متأمل على انفراد ، وقد تلقف الغربيون هذه الطريقة عن المسلمين وطوروها وجنوا نتائجها الجيدة، حتى أطفالهم في المدارس الابتدائية اليوم ليتقنون الحوار ، وبشجاعة ، وربما وقف أحدهم أمام التلفزيون وتكلم بكلام مرتب واضح لا يداخله تلعثم، في الحين الذي لا يزال بعض الدعاة في الشرق يربون أصحابهم على السماع المجرد، ويكون التلميذ الدعوي أمامهم كأنه وعاء يجهدون أنفسهم على صب كم هائل من المعلومات فيه وهو صامت مراقب فحسب ، فكأنه قرص كومبيوتر يتم ملؤه ، وأني للقرص أن يتناوش الاجتهاد من مكان بعيد؟
أهل ... يسابقهم الغرباء