... وقد اعتبر بعض العلماء أن من الضرورة كتمان العالم لبعض العلم، بل وأنها من مظاهر الإمامة ، فقد قال الإمام مالك مؤكدا لهذا المعنى:
... ( لا يكون إماما أبدا ، وهو يحدث بكل ما سمع ) (1) .
... فأنظر لهذا الفقه الوافر من الفقيه الجليل ، فالفقه ليس بكثرة الكلام، وإنما باختياره لمن يصلح هله .. ولذلك قيل:
... ( قلوب الأبرار قبور الأسرار ، فلا ينبغي أن يفشي العالم كل ما يعلم إلى كل أحد) (2) .
... ويجب التنبيه هنا - مع هذا التخصيص - إلى عدم إشعار الدعاة الآخرين من قبل المربين بوجود دروس خاصة ، أو بحوث مميزة ، أو دراسات معينة، وإشاعة ذلك- وإن كان من الضروري تربيتهم على ذلك، والرضا به - والسبب ما قد يحصل للبعض من فتور في طلب العلم الأولى والاستزادة ، وتشوقه إلى النهاية فينشغل قبله بحب الإطلاع ، وقد أشار الغزالي لهذا المعنى فقال عن المتعلم القاصر:
... ( ينبغي أن يقلى إليه الجلي اللائق به ، ولا يذكر له وراء هذا تدقيقا ، فإن ذلك يفتر رغبته في الجلي ويشوش عليه قلبه، ويوهم إليه البخل به عنه، إذا يظن كل أحد أنه أهل لكل علم دقيق ..) (3) .
(10) سهولة العبارة مقدمة على صعوبتها:
... لأن الأصل تبليغ السامع بالمعنى ، وتوصيل العلم إليه بأقرب طريق دون التواء ، إذا لو صحت النية من المتحدث أو الكاتب لاختار أحسن السبل لإيصال العلم ، ولا يختار الطريق الوعر، لأنه ليس بحاجة لإثبات فصاحته، ولا لإظهار عمله، بل يطلب بالعلم رضا الرحمن:
(1) - مقدمه صحيح مسلم.
(2) - أحياء علوم الدين 1/57.
(3) - إحياء علوم الدين 1/58.