... ( إن عليك في عملك حقا كما عليك في مالك حقا، ولا تحدث بالعلم غير أهله فتجهل ، ولا تمنع العمل أهله فتأثم ، ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء ، فيكذبوك ، ولا تحدث بالباطل عند الحكماء، فيمقتوك ) (1) .
... ومن دواعي التخصيص أيضا اختلاف قوة الدوافع إلى تدفع الدعاة لتعلم علم من العلوم، وقد يوافق العلم هوى الداعية وقد لا يكون ، وهذا يؤثر بدوره على المربي أو المعلم بإقباله على التدريس، وتوفره على التعليم، فلا يطوي ما عنده من المكنون، ولا يخفي عن جنوده المخزون. ولذلك فاختيار المربين لصنوف الدعاة في استماعهم لأنواع من الكلام يخضع إلى قواعد التربية وأصول البناء، ويحكم ذلك التجارب والممارسات الدعوية، وقد قيل:
... ( لكل تربة غرس ، ولكل بناء أس ) .
... ( ولكل ثوب لا بس ولكل علمٍ قابس ) .
... وما أحوج جمهور المربين والدعة لهذا المعنى ، وأن يقتصر حديثهم على ما ينفع، وترك الخوض في ما يقود إلى الخلاف أو قسوة القلب، من حديث الوجاهات، وأقاويل الفتن، وحوار القادة ، وخلافات الأقران، وأخبار السوء.
... وهذا لا يتم أيضا ، وفوق ذلك كله - إلا بفراسة يمنحها الله تعالى لمن يشاء من عبادة العلماء ، حتى يستطيع تمييز الكلام المقال، واختيار السامع له.
... ( وينبغي أن يكون للعالم فراسة يتوسم بها المتعلم ، ليعرف مبلغ طاقته، وقدر استحقاقه ، فإنه أروح للعالم وأنجح للمتعلم، وإذا كان العالم في توسع المتعلمين بهذه الصفة، وكان بقدر استحقاقهم خبيرا، لم يضع له عناء، ولم يخب على يديه صاحب وأن لم يتوسمهم وخفيت عليه أحوالهم، ومبلغ استحقاقهم ، كانوا واياه في عناء ، مكد ، وتعب غير مجد.. ) (2) .
... وهذا الفراسة وأن كان للذكاء ، والفطرة منها نصيب، فإن للتقوى والتجارب نصيبها الأوفر.
(1) - الاعتصام للشاطبيء 214.
(2) - أدب الدنيا والدين للمارودي/89.