من الأمور اللازمة لنجاح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، اتساع الصدر لقبول الخلاف فيما يجوز فيه الخلاف ، فالخلاف طبيعة البشر ، قال الله تعالى: { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } (1) ، وهناك مسائل فرعية يختلف فيها الناس وهي في الحقيقة مما وسع الله فيه على عباده - وأعني مسائل ليست من الأصول التي تبلغ إلى تكفير المخالف ، فهذه مما وسع الله فيها على العباد ، ومن يتصفح كتب العلماء - المعتد بعلمهم - في أنواع العلوم الشرعية في التفسير وشروح الحديث والفقه ، يجد أن هذه الكتب ممتلئة بالخلافات في المسائل الفرعية ، ولم يثر ذلك أحد من أهل العلم وادعى فيه طعنا على من رد عليه قوله ولا ذما ولا نقصا ، ولم يثر ذلك أحد إلا إذا كان المخالف ممن يفحش في الكلام ويسيء الأدب في العبارة فينكر عليه فحاشته وإساءته دون أصل رده ومخالفته ؛ إقامة للحجج الشرعية والأدلة المفيدة . وسبب ذلك أن العلماء كلهم مجمعون على قصد إظهار الحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولأن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمته هي العليا ، وكلهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كله من غير شذوذ شيء منه ليس هو مرتبة أحد منهم ، ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين ، فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيرا ، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم ، كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في مهور النساء ، وردت المرأة بقولها: { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا } (2) ، فرجع عمر - رضي الله عنه - عن قوله وقال:"أصابت امرأة ورجل أخطأ" (3)
(1) سورة هود ، الآيتان 118 ، 119 .
(2) سورة النساء ، الآية 20
(3) رواه البيهقي .