، وكثيرا ما تثور بين الأقران والأنداد روح المنافسة والتحاسد ، وربما استعلي الإنسان على قرينه ، وربما فرح بالنيل منه ، والحط من قدره وشأنه ، وعيبه بما ليس فيه أو تضخيم ما فيه ، وقد يظهر ذلك بمظهر النصيحة والتقويم وإبداء الملاحظات ، ولو سمى الأمور بأسمائها الحقيقية لقال الغيرة ، ومن التواضع أيضا التواضع مع من هو دونك ، فإذا وجدت أحدا أصغر منك سنا أو أقل منك قدرا فلا تحقره ، فقد يكون أسلم منك قلبا أو أقل منك ذنبا أو أعظم منك إلى الله قربا . حتى لو رأيت إنسانا فاسقا وأنت يظهر عليك الصلاح فلا تستكبر عليه ، واحمد الله على أن أنجاك مما ابتلاه به ، وتذكر أنه ربما يكون في عملك الصالح رياء أو عجب يحبطه ، وقد يكون عند هذا المذنب من الندم والانكسار والخوف من خطيئته ما يكون سببا في غفران ذنبه ، عن جندب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث: « أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان ، وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان ؟ فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك » (1) ، ومن التواضع ألا يعظم في عينك عملك ، إن عملت خيرا أو تقربت إلى الله تعالى بطاعة ، فإن العمل قد لا يقبل ، قال الله تعالى: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } (2) .
وضد التواضع الكبر ، والكبر يكاد يكون من أشد الأمراض خطرا على الدعاة إلى الله الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، فالمجالات التي يعمل فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر مرتع خصب لظهور هذا الداء العضال ونموه ، وقد عرض القرآن الكريم في أكثر من موضع قصة إبليس الذي خرج من رحمة الله إلى سخطه وهبط من سمائه إلى أرضه حين قال: { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } (3)
(1) رواه مسلم ، كتاب 45 ، باب 39 حديث 2621
(2) سورة المائدة ، الآية 27 .
(3) سورة ص ، آية 76 .