ثم ربط إقامة كل حد من الحدود بما يحفظ به من هذه الأصول، فقال:"وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله: قضاء الشرع بقتل الكافر المضل، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاءه بإيجاب القصاص، إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حد الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حد الزنا، إذ به حفظ النسل والأنساب، وإيجاب زجر الغصاب والسراق، إذ به حفظ الأموال التي هي معاش الخلق، وهم مضطرون إليها، وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها، يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع، التي أريد بها صلاح الخلق، ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنى والسرقة وشرب المسكر". [المستصفي: تحقيق وتعليق مصطفى أبي العلا، شركة الطباعة الفنية المتحدة (ص251) ] .
وإذا كانت هذه المصالح تنال حظها من إقامة حدود الله لحمايتها إياها، فإنه يترتب على عدم إقامتها إهدار تلك المصالح، فلا يحفظ دين ولا عقل ولا نفس ولا نسل ولا مال، وهل يصلح بقاء أمة تضيع فيها هذه المصالح العظام، التي هي أصول الحياة السعيدة في الأرض؟
وقد بين علماء الإسلام الأضرار المترتبة على عدم إقامة الحدود:
فقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وكثير مما يوجد من فساد أمور الناس إنما هو لتعطيل الحد، بمال أو جاه، وهذا من أكبر الأسباب التي هي فساد أهل البوادي والقرى والأمصار.. وهو سبب سقوط حرمة المتولي وسقوط قدره في القلوب وانحلال أمره".
ثم قال:"وولي الأمر إنما نصب ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية، فإذا كان الوالي يُمَكِّن من المنكر... كان قد أتى بضد المقصود مثل من نصبته ليعينك على عدوك فأعان عدوك عليك، وبمنزلة من أخذ مالًا يجاهد به في سبيل الله فقاتل به المسلمين". [مجموعة الفتاوى (28/303، 306) ] .