كان يبحر في نومه وأحلامه، وغطيطُه هادئ منتظم. وكنتُ أراقبه من بعيد. فكرّت في أن أطبق على عنقه بيديّ الاثنتين، لكني خفتُ أن تخونني يداي، أو يصدر عنه صياح غير متوقّع، أو يبديَ مقاومة يائسة لا تقاوَم. سحبت عنه اللحاف بحذر، فبدرت عنه حركة منتفضة، جمدّت الدّم في عروقي. لكنه سرعان ماعاد إلى غطيطه المنتظم. وتنّبهتُ إلى رائحة غريبة، يعبق بها جو الغرفة، وكنتُ في شغل عنها. ولم أشأ سحب المُلاءة عن وجهه وصدره حتى لا أضعُف، وتحسستْ أصابعي المرتجفة مكان دقات قلبه. وغرقت في بحر ذهول أذهلني. ولم أدر كيف رفعت سكّين المطبخ الحادّة، وكيف اخترقته بضربة موفقة، كأني عبّاس آخر. أنّةٌ قصيرة، وحشرجة سريعة، وانطفأت أنفاسه. وعلى ضوء المصباح الضئيل رأيت الدم الداكن النافر يغرق بياض المُلاءة البيضاء.
وسبحتُ في بحر الذهول، فقادني إلى الحديقة الصغيرة تحت شجرة التفاح الوحيدة في البيت، لأحفر حفرة تضمه، وتضمّ كل معالم حضوره إليّ. وغدًا تصبحُ حرًّا كالفراشة.
جلّلني عرق غزير بارد، وأنا أعود إلى الغرفة بخطوات مضطربة. واصطدمت نظراتي بالسرير، وثقل لساني في فمي، وصدر عني صوت سمعته غريبًا في أذني: غير معقول!
كان السرير فارغًا. ولولا المُلاءة الغارقة بالدم لحسبتني في حلم.. في كابوس من الكوابيس التي تعتادني. أضأت المصباح القوي، وبحثت في زوايا الغرفة، وبحثت في أنحاء البيت الصغير عن جثة شاردة.. عبثًا بحثت، فأخذني رعب قاتل. وعدت أفتح الحقيبة السوداء، على الطاولة القصيرة، حيث تركها. فتحتها بلا تروّ، وسحبت الرزم منها، فتناثرت أوراق صحف مضموم بعضها إلى بعض بعناية، تحمل عناوين بعض مقالاتي.
لا بأس..! مضى وقت طويل قبل أن أدرك حقيقة أني وقعتُ في الشّرَك. عندها ضحكتُ.. ضحكتُ حتى كاد يغمى عليّ من الضحك، ومازلتُ حتى الآن، أضحك.
دفنتُ المُلاءة البيضاء المدماة، والحقيبة السوداء بما احتوت، في الحفرة التي أعددتها. ودفنتُ معها كلّ ما يمتُّ إلى ماحدث تلك الليلة، وسوّيتُ الأرض كما كانت.
مازالت ترعبني فكرة، بعد أن مضت أيام وأيام، وبعد أن عادت زوجتي وأولادي، وتابعنا حياة العتاب واللوم والشكوى والحرمان. مازالت ترعبني فكرة أن أحفر فلا أجد المُلاءة البيضاء المدماة ولا الحقيبة السوداء يما احتوت، ويكون آخر آثار تلك الليلة الرهيبة قد اختفى إلى الأبد.
أرجوكم.. إذا سمعتموني أضحك في صمت الليل أو صخب النهار فاعذروني!