«- أصبحتُ ذات يوم.. فإذا أنا أفقد زوجتي وأولادي الأربعة.. كلهم في لحظة واحدة.. ويا ليتني كنتُ معهم إذًا لاسترحتُ.. سحقت سيارتهم شاحنةٌ ضخمةٌ.. فلم يخرج منهم مُخبّر.. تصور! عندك زوجة وأولاد.. هه؟.. حاولت الليلة النوم فلم أُفلح.. في رأسي ورشة مقلع للحجارة.. أنت تفهمني.. لم أستطع النوم.. فجئتُ إليك.. قلتُ: الليلة قبل الغد يا محروس! يجب أن تفعلَ شيئًا.. أعترف لك أني قررّت أن أهب كل هذه الأموال للدولة.. وتكون أنت شاهدي على ذلك.. ومُساعدي.. ما رأيك؟.. الحقيقة لم أشأ أن أحرمك المشاركة في هذا الأمر.. أليس هذا عظيمًا؟!.. اسمع.. اسمع.. سأطلب في هبتي للمال أن ينفق على المحتاجين.. اليتامى.. الأرامل.. المعوقين.. المشردين.. سأوصي ببناء مدرسة.. وملجأ.. ومشفى.. هذا شرطي.. شرطي الوحيد.. ما رأيك؟.. قل شيئًا.. لماذا أنت صامت؟.. احم.. احم.. لهذا جئت الليلة إليك قبل أن أُخبر أحدًا بهذا القرار..»
صمتَ.. وبقيتُ أنا صامتًا.. وكان الليل في الخارج صامتًا، إلاّ فحيح النار في المدفأة. كنت أقرأ، بلا صوت، الآية القرآنية على الجدار فوق الرجل. وغرقتُ في أحداث الرواية التي أقرؤها.
لن أطيل عليكم. بعد أن قدتهُ إلى غرفة النوم في سرير زوجتي الفارغ، وكان التعب قد نال منه؛ حتى إنه غرق في النوم قبل أن أغطيه بالُملاءة البيضاء واللحاف الثقيل، استيقظت في وعيي، زوجتي.. زوجتي الجميلة الرائعة.. زوجتي التي استطاعت أن تشدّني جيدًا بالخيوط القزحية للأنثى الخالدة منحًا ومنعًا. استيقظ حبُّ زوجتي للفساتين الجديدة في الواجهات الأنيقة، تألقها في الحفلات التي تعشقها. استيقظت فيّ أحلامها بلا حدود، و «المرء يعيش مرّة واحدة» تكررها دائمًا. استيقظ أولادي، طلباتهم التي لا تُلبىّ، شكاواهم التي لا تنتهي. استيقظتْ فيّ بيوت أصدقائي الفسيحة، وأثاثها الفاخر، وهم لم يتعبوا عُشر الذي قد تعبت. استيقظ وجه مؤجري العابس، والحاحه على التخمين لزيادة الأجرة. استيقظ حرماني الطويل، وطفولتي القاسية الشقيّة.
صوت.. هاجس تغلغل في رعب الليل.. تغلغل في خلايا الكون، ولفّني: إنك تقتل القاتل، وتسرق السارق، والدولة ستدير مؤخرتها لشروطه المضحكة.
وبكلمة، نصّبتُ نفسي القاضي، والنيابة، والشهود، وحكمتُ عليه، ونفّذتُ.