لقد تعلم الخيل المغيرة أننا ... إذا ابتدر الناسُ الفَعالَ أسودُها
على رَبذٍ يزدادُ جَوْدًا إذا جرى ... وقد قَلِقَتْ تحت السّروجِ لُبودُها
وقد أصبحتْ عِرسي الغداةَ تَلُومني ... على غيرِ ذَنْبٍ هَجْرُها وصُدودُها
فإنّي إذا ما قلتُ قوليَ فانقضى ... أتتني بأخرى خُطّةٌ لا أُريدُها [1]
في حين استخدم الشاعر بعض فنون الأداء الصوتي من خلال انبثاق بعض الأصوات مثل تكرار (القاف) الذي منح النسيج الشعري جرسًا صوتيًا عاليًا مع تكرار بعض الألفاظ لتأكيد النطق والسماع، ممّا أتاح للشاعر فرصة الكشف عن الحالة النفسية لإثبات شجاعته من خلال صورة الخيل المغيرة بفرسانها في سرعة جرّاء النشاط، وقد ماجت اللبود، وفي قصيدة أخرى له لم يخرج عن صيغة السؤال، وأن المرء غير مخلّد [2] .
ويفخر دريد بن الصمة بشجاعته، وعاذلته تلومه على خوض الحرب، في حين أنه يسارع إلى نجدة المستنجد به:
أعاذل إنّما أفنى شبابي ... ركوبي في الصريخ إلى المُنادي
أعاذل عدّتي بدني ورمحي ... وكلّ مقلص شكس القيادِ [3]
وقد تشكلت الصورة السمعية من الألفاظ الصريحة: العذل، والصريخ، والمنادي، مع استخدام الأفعال التي تقتضي الصورة أنْ تتشكل منها، مع المجانسة الصوتية التي يستدعيها الاختيار اللفظي، لنسمع الصورة التي تبرز شجاعة الشاعر، ويفخر بها، على أن البحر الوافر قد استوعب انفعاله واحتدام الزخم النفسي مع المسارعة إلى النجدة.
ويتكرر لوم عاذلته له على مخاطرته في الحروب، وهو يرجو أَلاّ تُلّح عليه في ذلك، وتتشكل الصورة السمعية من خلال الألفاظ التي لا تتعدى (اللوم والعذل والاستفهام، وبعض الأفعال) وفي إطار البحر الوافر الذي منحه الحماسة والضغط على الأصوات لتأكيد المعاني، وتقوية النغم:
أَلا بَكَرتْ تلومُ بغيرِ قَدْرٍ ... فقد أحفيتني وَدَخَلْتِ سِتري
(1) عامر بن الطفيل: 45-47. الخطة: الأمر. ربذ: سريع. الجود: الجرى.
(2) عامر بن الطفيل: 55.
(3) ديوانه: ق 19/ 60.