يبدأ الأعشى لوحته مستفهمًا، ويجيب بـ (بلى) لإبطال النفي، حيث الشوق يعود إليه ثانية بعنفوانه، مما حدا بجارته بعد أن رأت لمته وقد زالت، أن تقول له: لك الويل، للتقبيح، مستفهمة عن هذا الزوال الذي قبحته.
ونجد استمرار الحديث بينهما، وإن خلا من الألفاظ السمعية الصريحة، مجيبًا عما استفهمت عنه بأن الحوادث (ألوت) أي ذهبت بتلك اللمة السوداء، فاختصر المواجع التي أحدقت به بلفظة (ألوى) التي لم يقف أمامها شيء، فالحياة بما فيها هشة لينة أمام الأرزاء والحوادث، ولكن الأعشى سرعان ما يتحول إلى تجارب أُخَر قد خاضها في حياته ردًا على تقبيحها للشيب أو زوال لمته، وكيف ساعى النساء بعد نوم السّمار الذين كانوا يجتمعون للحديث، مستعيدًا ما كان قد فقده اليوم.
وقد احتوى البحر المتقارب حسن اطّراد أفكار الشاعر ورسم صوره، وأن تكررت أجزاء هذا البحر، ولكنها ضمّت البساطة والسهولة بالرغم من أن القول فيه لغرض الموضوع جاء متلاحقًا في إنشاد ينساب بين السرعة والبطء، تبعًا لما يتطلبه المعنى، ولذا فقد استخدم أصوات اللين الطويلة سواءٌ أكانت في القافية أم في الألفاظ لما فيها من راحة للمنشد، وتوكيد للمعنى مثل: بها تعهديني، جارتنا، ساعيت، نام، سامر، رقادها.
وبالرغم من بروز الصورة السمعية بسبب الموضوع، والاستفهام الذي افتتح به لوحته مما قاده إلى الإجابة عبر منافذ الأداء السمعي أو الإيحائي، فإن صورًا أُخر عبر المدركات الحسية قد تلاحمت لتصوير ما أصاب الشاعر من لوعة، وما تعرض له من تقبيح، ولذا فرّ إلى ماضيه ليرسم صورة سمعية، ولفسح المجال أمامنا لعرض جزء من ذلك الماضي وأخباره ليتوازن نفسيًا.
قال المزرد بن ضرار:
صحا القلبُ عن سلمى وملَ العواذل ... وما كاد لأيًا حُبُّ سلمى يُزايلُ
فؤاديَ حتى طار غّيُّ شبيبتي ... وحتى علا وخْطٌ من الشيب شاملٌ
فلا مرحبًا بالشيب من وفدِ زائرٍ ... متى يأتِ لا تُحجبْ عليه المداخلُ