فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 337

يعزف زهير على وتر حزين، وألم ممض لذهاب الشباب، بيد أنه تخفى وراء الصحوة التي فاجأنا بها في أول البيت، ويخبرنا أنه ترك الصبا، بعد أن ذهب شبابه، وكفّ عما عهدته منه سلمى، وعدل عن قصده، وقد دعته العذارى بالعم لكبره، فاستخدم الألفاظ السمعية في الأداء الشعري، في حين انتشرت الأفعال المختلفة في لوحته.

بيد أننا وجدنا الشاعر قد صبّ مشاعره في البحر الطويل الذي احتواها، وقد تشبث بحرف (الصاد) الذي أشاع في تلك الأبيات، لما لهذا الحرف من جرس يتردد فيها، ليمنح الألفاظ قوة الصحوة، وقوة الصبا، وقوة الكف في (أقصر) ، وصرامة الاستقامة في (قصد) حتى أصبح لا يعرف إلاّ بخليقته، وهو حكم واقع لأمراء فيه.

كما استخدم زهير حرف (العين) الحلقي المجهور الذي له من القوة المضافة للمعنى، لتقوية الجرس الموسيقي، تلك الأحرف بتناسقها وحسن اختيارها قد شاركت في وضوح الإيقاع الداخلي المنسجم مع الإيقاع الخارجي لتشكيل الصورة السمعية التي برزت بفعل العوامل المختلفة التي أوضحناها، وإن كانت الصورة السمعية مترابطة مع الصور الأخر، لكنها كانت مضيئة كما الشيب.

وإذا ما تتبعنا لوحة الشكوى من الشيب عند الأعشى فسنجد الصور السمعية لها الصدارة، فهي النقطة المضيئة، ويعود السبب إلى الشاعر نفسه، وهو إبراز شاعر بلا منازع غلب الصور السمعية على أشعاره، للتعويض عن ضعف بصره، وامتياز شعره بالغناء، وقد لقب بصناجة العرب، قال الأعشى:

أَلَمْ تَنْهَ نَفْسَكَ عمّا بها ... بلى عادَها بعضُ أطرابِها

لجارتنا إذ رأتْ لِمّتي ... تقولُ لكَ الويلُ أنّى بها

فإنْ تعهديني ولي لمّةٌ ... فإنَ الحوادثَ ألوى بها

وقبلكِ ساعيتُ في رَبْرَبٍ ... إذا نام سامرُ رُقابها [1]

(1) ديوانه: ق 22/ 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت