وإن ضَحكتْ للعُصْمِ ظلّتْ روانيًا ... إليها وإنْ تبسَمْ إلى المُزْنِ يَبْرُقِ [1]
فضلًا عما ذكرنا فقد تكررت الحروف لتقوية النغم مثل: (الميم) المجهور في (المالكية، بعدما، مشيب، مفرق، صموتان، من، ملء، منطق، العصم، تبسم، المزن) ، على أن حرف القاف الفني المهموس في (علقت، قذال، مفرق، قلت، قلة، منطق، يبرق) قد شكل نغمًا داخل الأبيات.
وقد تميزت الصورة السمعية عند النابغة من خلال الدلالة السمعية في الحجلين، وحفز السمع لصوتهما ضمن الدلالتين السمعية والإيقاعية، ومن هنا فقد تمكن الشاعر من أن يشكل صورة سمعية بارزة تفوقت على الصور الأخر التي شكلتها بعض المدركات الحسية، ويعود السبب إلى قدرة الشاعر على استثارة الماضي وأصوات أنسه ولهوه، وما يحدثه من وقع على النفس.
قال زهير بن أبي سلمى:
صحا القلبُ عنْ سلمى وأَقْصَر باطلُه ... وعُرّيَ أفراسُ الصِّبا ورواحِلُهْ
وأقصرتُ عمّا تعلمين وسُدِّدتْ ... عليّ سوى قَصْدِ السبيل معادِلُهْ
وقال العذارى: إنّما أنتَ عمّنُا ... وكان الشبابُ كالخليطِ نزايلُهْ
فأصبحتُ ما يعرفنَ إلاّ خليقتي ... وإلاّ سوادَ الرأسِ والشيبُ شامِلُهْ [2]
(1) النابغة الذبياني: 181- 182. قذال: مؤخر الرأس. الحجل: الخلخال، صموتان أي لا صوت لهما. من ملء: من هنا للتعليل أي لأجل ملء رجليها باللحم فلا يتحرك الخلخالان. وقلة منطق: القلة هنا مستعملة في العدم، أي لأنهما لا صوت لهما، مصوغان غير فارغي الوسط.
(2) ديوانه، ق 3/ 45-46. وينظر هامش ص 45 للتعرف على الباعث الآني الذي دفع الشاعر لنظم القصيدة وهو الحرب، والصحوة تشير إلى الاستعداد لخوض الحرب، ينظر: ملامح من صور البناء الفني لقصيدة الحرب (بحث) : 107.
عرّى أفراس الصبا: مثل ضربه الشاعر: أي ترك الصبا وركوب الباطل. أقصرت: كفت. سددت علي معادله: أنه كان يعدل عن طريق الصواب إلى طريق الصبا واللهو. الخليط: الصاحب المخالط. المزايلة: المفارقة.