فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 337

من هنا فالشاعر يتمرد على واقع شيخوخته، ويرفض الاستسلام لها تارة، ويفتح كوة ليطل منها على الفخر، مستذكرًا ومذكّرًا ما حفلت به حياته من مغامرات تارة ثانية، هادفًا إلى تحقيق معادلة الحالة السلبية التي يعيش فيها، لينتهي إلى تقرير حقيقة، أو حكمة يستدعيها موقفه من الحياة، أو ما يوحي به الباعث الآني، والغرض الأساس الذي يتوخاه الشاعر، فضلًا عن أن مسوغات الماضي في الصورة السمعية كونه صدى لذلك الصوت القديم.

وحين تستدعي الحالة الشكوى من الشيب والكبر، نجد تعدد الصورة السمعية لدى الشعراء، فقد يتعالى صوت الشكوى، وينتشر القول في مفاصل لوحته، مشيّعًا همومه عبر القول، والسؤال، والتعجب، والشكوى الصريحة من كبره [1] ، والذِّكر، والسؤال، والدعوة، والكلام [2] ، حيث عبّر عنها جميعًا، الأسودُ بن يعفر:

صَحا سُكُرٌ منهُ طويلٌ بزينبا ... تَعاقَبَهُ لما استبانَ وجَرّبا

وأحكمَهُ شيبُ القَذالِ عن الصِّبا ... فكيف تصابيه وقد صارَ أشيبا؟

وكان له فيما أفادَ حلائلٌ ... عجلنَ إذ لاقينه قلنَ مرحبا

فأصبحنَ لا يسألنه عن بما بِهِ ... أَصَعدَّ في عُلْوِ الهوى أمْ تصّوبا؟ [3]

في تأملنا لهذا النص نجد ابتداءً الاستفهام (كيف) ، وانتهاء بـ (أَصَعَّدَ) مع لفظة السؤال الصريحة، فضلًا عن الدلالة السمعية (القول) ، ذلك كله يشكل منافذ الأداء السمعي الذي يقود إلى الصورة السمعية.

(1) امرؤ القيس: ق9/ 262، وق 60/ 265.

(2) علقمة الفحل: ق1/ ب1-8/ 33-35.

(3) الأسود بن يعفر: ق4/ 20-21، وكذلك ق 6/ ب1-4/ 21-22. أصعد: ارتقى، تصوب: نزل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت