وينتقل قيس بن الخطيم إلى البيت الثاني مستحضرًا صورة سمعية أخرى عما تؤتيه في النوم غير مقلل أو محسوب، وقد أراد به العدّ للكثرة، ونفي التقليل، متجاوزًا ذلك إلى البيت الثالث الذي ارتفع فيه صوت الشاعر لتقرير معنى الكذب صراحة وتأكيده بالقول جهة الإخبار الذي يحتمل هنا وجه عدم الصدق، فضلًا عن وجود التكرار اللفظي (سريت- سروب) و (تقرب- تقريب) ، وتكرار حرفي السين والقاف، لتشكيل إيقاع صوتي لإبراز الصورة السمعية.
ويفتتح الحطيئة لوحته بأداة التنبيه (ألا) ليشد أسماعنا إلى ما يروم قوله، مستعرضًا بُعْدَ المسافة، معددًا مخاطر الطريق التي لا تنجو منها العتاق إلاّ بالسرعة وكأننا نسمع وقع سنابكها، فضلًا عن الصحراء التي تجبرهم على عدم النطق مخافة العدو، ووسط تلك الصورة السمعية التي كثّفها الشاعر، طرقهم طيف هند، وثمة شبه بين لوحة الحطيئة ولوحة الحارث بن حلزة التي مر ذكرها، بيد أن لوحة الحطيئة أكثر إشراقًا وعناية فنية، لكونه يحكك شعره أولًا، ولقوة شاعريته ثانيًا، وما يحمله من الإرث الثقافي ثالثًا، قال الحطيئة:
أَلا طرقتْ هندُ الهنود وصحبتي ... بحورانَ حورانِ الجنود هجودُ
وكم دون هند منْ عدوّ وبلدةٍ ... بها للعتاق الناجياتِ بَريدُ
وخَرقٍ يُجِرُّ القومَ أنْ ينطقوا بهِ ... وتمشي به الوجناءُ وهي لهيدُ [1]
الشكوى من الشيب:
حين نتجه إلى لوحة الشكوى من الشيب، نجد حوارًا مما يقتضيه مجرى الحديث عن الذكريات الراحلة، وأيام الشباب الزائلة، والمتع المنحسرة، ليعوض الشاعر بذلك عن إعراض المرأة عنه، حين اشتعل رأسه شيبًا، وتربعت الشيخوخة على زهو أيامه التي ذهب رونقها.
(1) الحطيئة: ق 73/ 284- 285. بريد: سرعة. لهيد: قد لهدها رحلها: أي أثقلها وضغطها. يجر القدم: أي لا يتكلمون من الفرق كما يجر الفصيل لكيلا يوضع. الوجناء: الغليظة. وانظر شعر خفاف بن ندبة السلمي: ق 1/ ب1-3/ 27، وانظر كعب بن زهير بن أبي سلمى: 113-114.