فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 337

ثم يلتفت إلى الخطاب بعد أن كان غيبة بأداة استفهام (أنّى) التي تطرق الأسماع، وما توحيه تشكيلة حرف الميم منْ إيقاع في العجز من البيت الأول بما يخدم الصورة السمعية، قال عبيد بن الأبرص:

طافَ الخيالُ علينا ليلةَ الوادي ... منْ أم عمروٍ، ولم يلممْ لميعادِ

أنّى اهتديتَ لركبٍ طالَ سيرهُمُ ... في سَبْسَبٍ بينَ دكداكٍ وأعقادِ [1]

في حين كان الطيف عند الحارث بن حلّزة على عجل حينا طرقهم أسرع من الذي يسير الليل كله فلازمهم ولم يقم، كما ونسمع استفهام الشاعر عن كيفية اهتداء الطيف إليهم، وهو لا يقوى على المشي بعد أن قطع القوم الأرض الغليظة المستوية الصلبة بسيرهم حتى أصابهم الإعياء:

طَرَقَ الخَيالُ ولا كليلةِ مُدْلجِ ... سَدِكًا بأرحلنا ولم يتَعَرَّجِ

أنى اهتديتَ وكنتَ غير رَجيلةٍ ... والقوم قد قطعوا متان السّجسجِ [2]

من الأمور المتعارف عليها أن الأحلام تقرب البعيد، ومن هنا بدأ قيس بن الخطيم مستفهمًا بـ (أنّى) سرى طيفها وهي غير بعيدة عنه، أو أنها بعدت عنه وهي غير سروب، فانطلق صوته يعبّر عمّا في أعماقه:

أنّى سَرَيْتِ وكنتِ غيرَ سَروبِ ... وتقربُ الأحلامُ غيرَ قريبِ

ما تمنعني يقظى فقد تؤتينَهُ ... في النوم غيرَ مُصردٍ محسوب

كان المنى بلقائها فلقيتها ... فلهوتُ من لهو آمرئٍ مكذوب [3]

(1) عبيد بن الأبرص: ق 16/ 47.

(2) الحارث بن حلزة اليشكري: 22. السدك: الملازم. لم يتعرج: لم يقم. الرجيلة: القوية على المشي: متان: ما غلظ من الأرض. السجسج: المكان المستوى الصلب.

(3) قيس بن الخطيم: ق 2/ 55- 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت