ومن خلال النماذج التي سنتناولها نجد تعجب الشعراء من زيارة الطيف على بعد الدار، وشحط المزار، ووعرة الطريق، واشتباه السبل، واهتدائه إلى المضاجع من غيرها ويرشده، وعاضد يعضده، وكيف قطع بعيد المسافة بلا حافر ولاخف، في أقرب مدة وأسرع زمان ... ." [1] "
قال تأبط شرًا:
يا عيدُ مالَكَ منْ شوقٍ وإيراقِ ... ومَرِّ طيفٍ على الأهوالِ طَرّاقِ
يَسري على الأَيْنِ والحَيّات محتفيًا ... نفسي فداؤكَ مِنْ سارٍ على ساقِ [2]
تمثلت الصورة السمعية لدى الشاعر من أدوات مختلفة، وأصوات متعددة، خارجية وداخلية، ابتداءً من النداء المفرد المعرفة في (يا عيد) ، والاستفهام المراد به التعجب (مالَكَ) ، وانتهاءً في تفسير الصورة.
ومنحَ الشاعر الطيفَ تجسيمًا حتى جرى على ضرب من الحيّات حافيًا كان ابتداءً، وكأنه في التفصيلات الأخر سائر على قدَم، مع استخدام صيغة المبالغة في (طرّاف) وتكرار الحروف مثل: القاف، والراء والسين في البيتين لتتجانس الموسيقى الداخلية، لتكون صورة سمعية ندركها بأسماعنا.
واحتل السؤال لوحة الطيف عند عمرو بن قميئة، وهو ما تبقى له بعد أن نأت أُمامةُ عنه، ولم توافِهِ إلاّ في ميعادها ليلًا، وقد اتخذ من الحبيبة رمزًا لقومه بعد أنْ حلّت القطيعة بينه وبينهم، فكان الطيف منفذًا للتعبير عن تلك العلاقة المضطربة المتوترة:
نأتك أُمامةُ إلا سؤالًا ... وإلاّ خيالًا يُوافي خَيالًا
يوافي مع الليلِ مِيعادُها ... ويأبى مع الصُّبْحِ إلاّ زيالا [3]
وتتجلى الصورة السمعية في لفظة ذات دلالة سمعية هي (الميعاد) ، ولا يتم إلاّ بتقريره من طرفين، بيد أنه هنا لم يكن على ميعاد ظاهري، ولكنه إيماء داخلي، فضلًا عن الأنسنة المتمثلة بالتجسيم الذي خلعه الشاعر على الطيف.
(1) طيف الخيال: 4.
(2) ديوانه: ق22/ 103- 104.
(3) ديوانه: ق 11/ 55.