كما استخدم الشاعر الغيث للخير، والوَدْق: للمطر الشديد، في لوحة صيد، حيث يعلو الغلامُ الفرَسَ، ويدفعه لمطاردة حمر الوحش، فَرَمَزَ للاندفاع بالوَدْق، ورمز بالغيث (الرحمة) لاصطياده، ثورًا من بقر الوحش:
وأدركهنَ ثانيًا مِنْ عِنَانِهِ ... كغيثِ العشي الأقهبِ المُتَوَدِّقِ [1]
استخدم النون الثقيلة في أدراكهن للتوكيد، والنون في (ثانيًا وعنِانِه) والقاف في (الأقهب والمتودَق) لتقوية الجرس الموسيقي، كما تجانس لفظ (المتودق) المتفعل مع المعنى الشديد المطر. ولا بد للمطر من أن يحدث صوتًا، ذلك كله لتشكيل الصورة السمعية.
واستخدم بعض الشعراء لفظة الوابل [2] أي المطر الشديد الذي له صوت قوي (كثير الرعد) وله هزيم مثل هزمة الناقة على ولدها، وبالرغم من ذلك فقد أمرعت الأرض:
مَرَتِ الجنوبُ له الغمامَ بِوابلٍ ... ومجلجلٍ قَرِدَ الربابَ مديمِ [3]
وكأن الشاعر قد استخدم (الوابل) لِمَحْوِ لَوْمِ عاذلته، ليعلو فوق صوتها، ويتساوق مع مفاخره في المعركة وما فيها من صراخ واحتدام الأصوات المختلط بعضها ببعض.
الطيف:
تمثلت لوحة الطيف في استحضار الماضي والمتع الزائلة، أو الرغبة في استدرار عاطفة ذوت مع السنين وانحسرت من حياة صاخبة كانت تعج باللهو أيام الشباب، أو الالتجاء إلى الطيف لردم الهوة بين اليقظة والحلم لتحقيق المعادلة الناقصة في الحياة، والاتجاه نحو اكتمالها في المنام، أو اتخاذها رمزًا ومدخلًا لينفذ الشاعر من خلالها إلى غرضه، بالرغم من قلة لوحة الطيف الافتتاحية والسمعية منها بالذات، بيد أننا وجدنا الشاعر يحاول جاهدًا أن يسبغ على صورته الصوت والحركة، لأن الصورة في الأساس بصرية، على أن تطور لوحة الطيف قد تأخر عن المرحلة المبكرة في حياة الشعراء.
(1) امرؤ القيس: ق 30/ 174، وينظر ديوان زيد الخيل: ق7: 4/ 36.
(2) طفيل الغنوي: ق1/ 34/ 26.
(3) لبيد: ق 13/ 112.