استخدم بشر هنا الودق: المطر الشديد الدائم الواسع القطر لتعفية الطلل، طلل هند، وماهنيدة هنا (تصغير) ، و (هند) إلا قصيدة الهجاء، أو الإبل التي أخذها لقاء هجائه أوسًا. والهاء من (هند) مهموس رخو ينسجم مع حبال الهجاء الرثة البالية لقدمها، بفضل قصائد المديح التي أزجاها لأوس [1] .
ويتساوق التنوين من (هند) والنون الذي فيه غنّة مع (هزيم ودقه) أي المطر الشديد الكثير الذي له صوت يتشقق بالماء تشققًا مع صوت يصدر منه.
ونسمع للمطر جلبة لشدة وقعه، وغزارته، لأنه مطر العشيّ، يسيل الأرض ويغرق الجحور، وقد أورد لفظة (الودق) أي شدة المطر مقترنة بالفرَس ذي العَدْوِ السريع على التشبيه:
خفاهُنَّ منْ انفاقِهِنَّ كأنّما ... خَفاهُنَّ وَدْقٌ منْ عَشّيٍ مُجَلِّبِ [2]
(1) تروى حادثة لها أثر في حياة بشر تكمن في هجائه لأوس بن حارثة سيد بني جديلة من طيء، وذلك أن النعمان بن المنذر ملك الحيرة كان دعا بحلة وعنده وفود العرب من كل حيّ ألبسها أوسًا، فحسده قوم من أهله، فطلبوا من الحطيئة أن يهجوه فرفض بعد أن أغروه بثلاثمائة ناقة، فقال لهم بشر بن أبي خازم أنا أهجوه لكم فأخذ الإبل وهجًا أوس بن حارثة. ينظر الكامل لابن الأثير: 1/ 229.
وقد أفحش بشر في هجاء أوس، وتمكن أوس من بشر فأسره، وقيل أراد حرقه، ورُوي أن أوسًا أدخل بشرًا في جلد بعير حين سلخه حتى جف عليه فصار كأنه العصفور، فبلغ ذلك سعدى بنت حصن أم أوس وكانت سيدة من سادات طيء، فقبّحت عمل ابنها ونصحته أن يخرجه ويرد عليه ماله الذي سلبه منه بالإغارة، ويعفو عنه ويحبوه ويكرم كي يغسل من أوس ما صنعه بشر ففعل ما أمرته به أمه، فقال بشر لأوس: لا جرم والله لا مدحت أحدًا حتى أموت غيرك، وصدق بشر فقد مدح أوسًا وأكثر من مديحه، ينظر الكامل لابن الأثير: 1/ 229.
(2) امرؤ القيس: ق 3/ 51.