فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 337

ومن الشعراء من أراد بالزجل، إِرعاد المطر الشديد، وقد قرنه بالنعام لأنه شر كبير له، ويشكل نقمة لكونه سبيل هلاكه وتعليقه من أرجله، فالمطر مفزع للنعام والظليم، ومدعاة للهرب، وما استخدام (الزجل) وهو الإرعاد الشديد، إلاّ للفزع، لفزع الشاعر أولًا من الدهر وما يحدثه من خراب ودمار، وقد أورد الشاعر قصر (رَيْمان) العظيم وقد أمسى خاويًا مخربًا تسكنه الثعالب بعد ذهاب أصحابه الكرام، وما فزع النعام إلا فزعه هو أسقطه عليها:

منْ ساقِطِ الأكتافِ ذي ... زَجَلٍ أَرَّبَ به سحابُهُ

مثلِ النعّامِ مُعلَّقًا ... لمَّا دَنا قَرِدًا رَبابُهُ [1]

وكأن في السحاب أصوات نوق عشاراتي عليها عشرة أشهر من حملها، وكذلك الإبل المسنة، والنوق التي اشتد فصيلها وقوي، تلك جميعها (تحنّ) وفي صوتها تطريب وهي ترعى ما أمرعت به الأرض بعد الغيث، فانسجم الحنين (صوت الناقة) مع صوت الغيث، (المزن) السحاب المثقل بالماء، ولم يستخدم لفظة (المطر) الصريحة، وابتعد عنها الشاعر لأنها تعفّي الطلول، قال:

هَبَّتْ جنَوبٌ بأعلاهُ ومالَ بهِ ... أعجازُ مُزْنٍ يَسُحُّ الماءَ دَلاّحِ

كأنَ فيهِ عِشارًا جِلّةً شُرفًا ... شُعْثًا لها ميمَ قد هَمّتْ بإرشاحِ [2]

ويسمعنا شاعر آخر صوت السحاب المتدني المصحوب بالرعد كصوت الرحى الثقيلة لقرب السحاب، فالغيث هنا قد أنبت الكلأ والعشب الحسن حتى ارتفع عن الأرض:

وغيثٍ مَرَتْهُ الريحُ فاعتمَّ نبتُهُ ... بَهيٍّ تُناصيهِ الوحوشُ قد أثمرا

إذا رَجفتْ فيه رحىً مُرجَحِنّةٌ ... تَبَعَّجَ بالرعد الحَبيُ مُسَيَّرا [3]

(1) الأعشى: ق 54/ 289.

(2) أوس بن حجر: ق 5/ 16-17.

(3) امرؤ القيس: ق 60/ 266. تبعج: تشقق. الحبي: السحاب المتدني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت