على أن الدمنة الشاخصة هي دليل أمل على انفراج الأزمة ووقف ما كان يسيل من دماء، وما الوشم في ترجيعه إلا ليقاوم الزمن لتبقى الدار ماثلة تتحدى فناء الذكريات وفناء القوم، وما إشاعة البهجة في الطلل من خلال العين والآرام عبر الحركة والأصوات إلاّ إتاحة حياة جديدة تتواصل مع الماضي المفقود الذي أدّى إلى اغتراب الشاعر وآلامه.
الغيث والمطر:
إلى جانب الأطلال عنى الشعراء الجاهليون بالغيث والمطر، في لوحات الافتتاح وفي لوحات أخر، لكون الغيث يرمز إلى الخصب والحياة والخلود، في حين يرمز المطر إلى الفناء، فهم يستخدمون اللفظتين على وفق ما يستدعيه الموقف، وما تتطلبه الظروف، فهو رمز فناء عندما يهطل بغزارة شديدة فينتقم من الطلل، ويعفّي الرسوم، ومن هنا ينزع الشاعر إلى تأكيد الألم الممض الذي يعتمل بأعماقه جرّاء هرب (الزمان- المكان) من حياته، وما لهما من معطيات وقيم روحية ومادية، وتلك نزعة إنسانية لا يستطيع المرء التخلي عنها، وبخاصة الشاعر، فيلتجيء إلى أن يكّون لنا صورًا سمعية تشترك فيها بعض الحواس بغية التأثير فينا.
على أن جميع ذبذبات السمع النابضة في أصوات الألفاظ (أجش سماكيًا) والملّث، ورجفت رحى، والهزيم، والزجل، وأصوات النوق العشار، والحنّان، والودق، والوابل، والمزن ... ) لها معنى شكل صورة سمعية، وسنوضح ذلك من خلال تحليل تلك الاستشهادات.
وقد تفنن الشعراء في اختيار تلك الألفاظ لتشكل نسيج صورهم السمعية، فذكروا لنا السحب الممطرة المصحوبة بالصوت، إذ يستخدم النابغة الذبياني الصوت الغليظ الذي يريد به السحاب المصحوب بالرعد يسقي دار سعدي:
أَجَشَّ سماكيًّا كأنَّ رَبابَهُ