فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 337

إن عبيد بن الأبرص لا يستسلم إلى الماضي المشبع بالفناء، المتمثل بالانقطاع عن الأحباب وتهدّم الحياة، بل لا بد له من أن ينطلق من زاوية جديدة يتواصل فيها مع الحياة التي يعلو صوتها، فتدعوه إلى التحرك، فيتحفز، ويطلب من رفيقيه اللحاق بالظعن، ويحث السير على ناقته، حتى يصل إلى الأوانس الفاتنات، وتتنازع الجميع الأحاديث، ويمضون بالقول فيما يشتهون.

ومما تقدم نجد أن الصورة السمعية قد افتتحت الطلل، وانتشرت في أبيات اللوحة عبر ألفاظ صريحة، وبعضها قد أدّى الغرض إيحاءً وضمنًا، على أن الصورة السمعية هي الغالبة على اللوحة.

فمن الاستفهام انطلق ليجد المكان الجديد البديل، حيث الملتقى بالأوانس وتبادل الحديث، ليستأثر بالزمان كي لا يفوته، مستثمرًا الوقت في إحياء الأمل في نفسه من جديد، لأن الطلل يمثل (المكان- الزمان) الهارب من بين أصابعه شاء أمْ أبى.

وفي لوحة طللية أخرى نجد صيغ الاستفهام، وإن تبدو موروثًا فنيًا، بيدَ أنها تقود إلى منافذ باتجاه نقلة موضوعية مشحونة بالفعل والحركة فضلًا عن الصوت، سواء أكان ذلك لفظيًا صريحًا، أم إيحائيًا، باتجاه تنامي اللوحة بما يفضي إلى الفعل اللاحق الذي يتوخاه الشاعر، والدخول في تفصيلات يبرع فيها بما يبعده عن النمطية التي فرضها الشكل عليه من الموروث الفني.

قال زهير بن أبي سلمى:

أمنْ أمٍّ أوفى دمنَةٌ لم تكلَّمِ

بحومانةِ الدَّرّاجِ، فالمتَثَلَّمِ

مراجعُ وشْمٍ في نواشرِ مِعْصَمِ ... ودارٌ لها بالرَّقْمَتينِ كأنها

وأطلاؤُها ينهضنَ منْ كُلِ مَجْثِمِ ... بها العِينُ والآرامُ يمشينَ خلْفَةً

فَلأيًّا عرفتُ الدارَ بعْدَ التَّوهُمِ ... وقفتُ بها منْ بعدِ عشرينَ حِجَّةً

ونُؤْيًا كجِذْمِ الحوض لمْ يتثَلَّمِ ... أثافيَّ سُفْعًا في مُعَرَّسِ مْرِجَلٍ

فَلّما عرفتُ الدارَ قلتُ لربعِها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت